إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥١ - القسم الأول إظهار نفس العمل
واحد في الحالتين،فما يقتدى به أفضل لا محالة.و إنما يخلف من ظهور الرياء،و مهما حصلت شائبة الرياء،لم ينفعه اقتداء غيره،و هلك به،فلا خلاف في أن السر أفضل منه و لكن على من يظهر العمل وظيفتان إحداهما:أن يظهره حيث يعلم أنه يقتدى به ،أو يظن ذلك ظنا.و رب رجل يقتدى به أهله دون جيرانه.و ربما يقتدى به جيرانه دون أهل السوق.و ربما يقتدى به أهل محلته.و إنما العالم المعروف هو الذي يقتدى به الناس كافة.فغير العالم إذا أظهر بعض الطاعات ربما نسب إلى الرياء و النفاق،و ذموه و لم يقتدوا به.فليس له الإظهار من غير فائدة.و إنما يصح الإظهار بنية القدوة،ممن هو في محل القدوة على من هو في محل الاقتداء به و الثانية:أن يراقب قلبه.فإنه ربما يكون فيه حب الرياء الخفي ،فيدعوه إلى الإظهار بعذر الاقتداء،و إنما شهوته التجمل بالعمل،و بكونه يقتدى به .و هذا حال كل من يظهر أعماله،إلا الأقوياء المخلصين،و قليل ما هم.فلا ينبغي أن يخدع الضعيف نفسه بذلك فيهلك و هو لا يشعر.فإن الضعيف مثاله مثال الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة،فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم،فأقبل عليهم حتى تشبثوا به،فهلكوا و هلك.و الغرق بالماء في الدنيا ألمه ساعة.و ليت كان الهلاك بالرياء مثله.لا بل عذابه دائم مدة مديدة.و هذه مزلة أقدام العبّاد و العلماء.فإنهم يتشبهون بالأقوياء في الإظهار،و لا تقوى قلوبهم على الإخلاص، فتحبط أجورهم بالرياء.و التفطن لذلك غامض.و محك ذلك أن يعرض على نفسه أنه لو قيل له أخف العمل حتى يقتدى الناس بعابد آخر من أقرانك،و يكون لك في السر مثل أجر الإعلام.فإن مال قلبه إلى أن يكون هو المقتدى به،و هو المظهر للعمل،فباعثه الرياء دون طلب الأجر،و اقتداء الناس به،و رغبتهم في الخير.فإنهم قد رغبوا في الخير بالنظر إلى غيره و أجره قد توفر عليه مع إسراره،فما بال قلبه يميل إلى الإظهار،لو لا ملاحظته لأعين الخلق و مراءاتهم.
فليحذر العبد خدع النفس فإن النفس خدوع،و الشيطان مترصد ،و حب الجاه على القلب غالب.
و قلما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات،فلا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيئا.و السلامة في الإخفاء و في الإظهار من الأخطار ما لا يقوى عليه أمثالنا.فالحذر من الإظهار أولى بنا و بجميع الضعفاء