اصول الحديث وأحكامه في علم الدّراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٨ - ب ـ آية النبأ وسعة دلالتها
وتأخّر الشرط لا في غيره كما في المقام.
أقول : سواء أقلنا بهذا أم ذاك فإنّ ذيل الآية يحدّد الموضوع ويشخّص التكليف في مجال العمل بأخبار الآحاد ويبيّن أنّ الممنوع هو العمل بالخبر الذي يصدق عليه أنّه عمل جاهلي لا عقلائي، ويترتب عليه قوله: (أن تُصِيبُوا قَوْمَاً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) .
فيجب علينا التركيز على تحديد الجهالة في الآية:
إنّ الجهل قد يطلق ويراد منه ضد العلم كما هو الشائع، وقد يطلق ويراد منه ضد العقل، قال سبحانه: ( اِنَّما التّوْبَةُ عَلى اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَريب فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللّهُ عَلِيمَاً حَكِيماً) (النساء /١٧).
وقال سبحانه: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدهِ وَأَصْلَحَ فإنّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الانعام/ ٥٤).
وقال سبحانه: ( ثُمَّ إنّ رَبَّكَ لِلّذِينَ عَمِلُوا الْسُوءَ بِجَهالَة ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَاَصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل / ١١٩). فإنّ الجهالة في هذه الآيات ليست بمعنى ضدّ العلم، بل المراد هو العمل الجاري على غيرالنظام الصحيح وكلّ ما كان كذلك فهو عمل جاهلي. قال سبحانه:( قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوَاً قالَ أعُوذُ بِاللّه أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ) (البقرة/ ٦٧). فجعل فعل الهزو جهلاً، وعلى ذلك جاء حديث جنود العقل و جنود الجهل في الكافي[١]، فما في اللسان[٢] من تفسير الجهالة بقوله «أن
[١] الكليني: الكافي: ١/٢٠ برقم ١٤.
[٢] ابن منظور: لسان العرب: ١١/١٢٩، مادة «جهل» .