الناسخ والمنسوخ - الهروي، أبي عبيد القاسم بن سلام - الصفحة ٦٧ - ذكر الصيام وما نسخ منه
قال أبو عبيد : وكل هؤلاء إنما تأول آية الإطاقة أيضا ، قوله عزوجل : ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) فمن أوجب القضاء والإطعام معا ذهب فيما نرى : إلى أن الله عزوجل حكم في التارك للصوم من عذر بحكمين ، فجعل الفدية في آية والقضاء فى أخرى فلما لم يجد [١] ذكر الحامل والمرضع مسمى في واحدة منهما جمعهما جميعا عليهما احتياطا لهما وأخذا بالثقة [٢] وأما الذين رأوا عليهما أن يطعما ولا يقضيا فإنهم أرادوا أنهما ليستا من السفر ولا المرضى الذين فرضهم القضاء ، ولكنهما ممن كلّف الصيام وطوّقه فليس بمطيق ، فهم من أهل الفدية ليس يلزمهم سواها لقوله : ( وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين ) وهي قراءة ابن عباس وفتياه ، فكان تأويله على لفظ قراءته ، وكذلك قرأها عكرمة وسعيد بن جبير وأظن مجاهدا كان عليها أيضا ، وأما الذين أوجبوا عليهما القضاء بلا إطعام فذهبوا إلى أن الحمل والرضاع إنما هما علتان من العلل ونوعان من أنواع المرض ، لأنه يخاف فيهما من التلف على الأنفس ما يخاف من المرض ، فجعلوهما بذلك مريضتين يلزمهما حكم المريض ، واحتجوا بأنهما قد يعودان إلى الولادة والفطام فيرجعان مطيقين كالمريض والمسافر إذا صاروا إلى الصحة والإقامة وبهذا القول كان يقول سفيان وأهل العراق : أن على الحامل والمرضع القضاء لا يجزئهما غيره ، وكذلك قول مالك أيضا حدثنيه عنه ابن بكير ، وعليه أهل الحجاز وكذلك رأي الأوزاعى [٣] وأهل الشام فيما أعلم وهو الذي ذكرناه عن إبراهيم والحسن وعطاء والضحاك [٤] ومع هذا كله أنّا قد
[١] في المخطوط « نجد » والصواب بالياء.
[٢] الثقة : مصدر قولك وثق به يثق إذا ائتمنه ، والوثيقة في الأمر إحكامه والأخذ بالثقة أي بالمحكم الموثوق من الأمر.
( انظر لسان العرب لابن منظور ١٠ / ٣٧١ ).
[٣] الأوزاعي : عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو ، أبو عمر الأوزاعى ، الفقيه قال أبو عبيد عن ابن مهدي : ما كان بالشام أعلم بالسنة منه ، وقال ابن معين ثقة ، وقال ابن سعد ولد سنة ثمان وثمانين وكان ثقة مأمونا صدوقا فاضلا خيّرا كثير الحديث والعلم والفقه ، مات سنة سبع وخمسين ومائة ، وقال فى التقريب : ثقة جليل.
( التهذيب ٦ / ٢٣٨ ـ التقريب ١ / ٤٩٣ ).
[٤] هو الضحاك بن مزاحم.