زاد المعاد ـ مفتاح الجنان - العلامة المجلسي - الصفحة ٢١٨ - الفصل الخامس في فضيلة و أعمال يوم المباهلة حتى آخر الشهر
رُسُلَهُ إِلَى نَصَارَى نَجْرَانَ وَ كَانُوا أَعْظَمَ نَصَارَى الْعَرَبِ وَ رَجَعَ هَؤُلَاءِ إِلَى كُتُبِهِمْ وَ شَاهَدُوا أَوْصَافَ النَّبِيِّ فِي كُتُبِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ تَغَلَّبَ حُبُّ الدُّنْيَا عَلَى أَكْثَرِ عُلَمَائِهِمْ وَ لَمْ يُؤْمِنُوا وَ أَرْسَلُوا سَبْعِينَ شَخْصاً مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَ عُظَمَائِهِمْ لِيُشَاهِدُوا الصِّفَاتِ الَّتِي قَرَءُوهَا فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، وَ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَ رَأَوْا أَنَّ الصِّفَاتِ مُوَافِقَةٌ، وَ أَتَمَّ النَّبِيُّ الْحُجَجَ عَلَيْهِمْ، مَعَ ذَلِكَ تَأَبَّى بَعْضُهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِرِسَالَتِهِ بِسَبَبِ حُبِّ الرِّئَاسَةِ وَ الْأَغْرَاضِ الْبَاطِلَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّٰهِ عَلَى الْكٰاذِبِينَ [١]. ثُمَّ أَلْقَى الرَّسُولُ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كِسَاءً عَلَى كَتِفِهِ وَ أَدْخَلَ تَحْتَ الْكِسَاءِ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ (عليهم السلام)، وَ قَالَ: اللَّهُمَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَهْلُ بَيْتٍ هُمْ أَخَصُّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، اللَّهُمَّ وَ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً، فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ وَ جَاءَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي شَأْنِهِمْ:
إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [٢]. ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ أَخْرَجَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ (عليهم السلام) مَعَهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ لِلْمُبَاهَلَةِ، وَ حَيْثُ إِنَّ النَّصَارَى كَانُوا قَدْ عَرَفُوا حَقِيقَةَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، وَ ظَهَرَتْ آثَارُ نُزُولِ الْعَذَابِ فِي الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ بَعْدَ وُقُوفِهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لِلْمُبَاهَلَةِ، قَالَ كَبِيرُ عُلَمَائِهِمْ: وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَى وُجُوهاً لَوْ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِنْ مَكَانِهِ لَأَزَالَهُ فَلَا تَبْتَهِلُوا فَتَهْلِكُوا وَ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نَصْرَانِيٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ وَافَقُوا عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ كُلَّ عَامٍ، وَ لَمْ يَدْعُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عَلَيْهِمْ، وَ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَ قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):
وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَاعَنُونِي لَمُسِخُوا قِرَدَةً وَ خَنَازِيرَ، وَ لَاضْطَرَمَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَاراً، وَ لَمَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى النَّصَارَى حَتَّى يَهْلِكُوا كُلَّهُمْ [٣].
و بهذا ظهرت عدة أمور لأهل الدنيا: الأول: أحقية النبي الكريم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لأنه لو لم يكن واثقا بأحقيته لم يعرّض نفسه و أعزّ أهله للمباهلة، و لو لم تكن حقيقته ظاهرة لتلك الجماعة لباهلت و لما فرضت على نفسها المذلة و دفع الجزية.
[١] سورة آل عمران، الآية: ٦١.
[٢] سورة الأحزاب، الآية: ٣٣.
[٣] مجمع البيان: ج ٢ ص ٣٠٩.