تخريج الدلالات السمعية - الخزاعي، علي بن محمد - الصفحة ١٠ - ٢- كتاب تخريج الدلالات السمعية
من ذلك العام تولّى السلطنة أبو فارس موسى بن المتوكل على اللّه المريني، فقدّم الخزاعي كتابه هدية إليه «جريا على العادة في إتحاف المملوك الخادم لمولاه القادم، و عملا على ما جاء عن النبي (عليه السلام) من الحضّ على الهدية و الأمر بها».
و يختصر المؤلف السبب الذي حدا به إلى تأليف كتابه بأنه رأى كثيرا ممن لم ترسخ في المعارف قدمه، و ليس له من أدوات الطالب إلّا مداده و قلمه، يظنون أن تولي الأعمال السلطانية بدعة، و أنها بدعة تجرّ على صاحبها الاثم، و أنه كان من الأجدر به الترفع عنها؛ و تبديدا لهذا الجهل جمع مادة كتابه ليثبت أن «العمالات الشرعية» ليست شيئا مستحدثا، و إنما هي خطط وجدت أيام الرسول، و تولاها كثير من الصحابة، فمن تولاها من بعد لم يخرج عن النهج المرضيّ، بل إنه ليحرز الشرف الكبير لأنه يجد نفسه واقفا في ركب صحابي جليل، و كذلك يقال أيضا في أصحاب الحرف و الصنائع، فإن أي قارئ لهذا الكتاب سيجد الحقيقة الصادقة التي تزيل عن أصحاب الخطط و أصحاب الحرف وصمة البدعة.
و لعلّ هذا كله مستمدّ من واقع المؤلف، فإنه قضى معظم عمره في خطة سلطانية، و على ذلك كان أبوه وجده من قبل، و ليس بمستبعد أن يكون قد واجه نقدا لانخراطه في سلك الدولة، و مصاحبته للسلطان، فإن النغمة المنفّرة عن مصاحبة السلطان التي ظهرت بظهور موجة زهدية في القرن الأول لم تكن- فيما يبدو- قد تبدّدت؛ و إن حاول كتاب السياسة- على مر الزمن- احتواءها بما رسموه من آيين و ما سنّوه من رسوم في مصاحبة السلاطين.
و قد قسم الخزاعي كتابه في عشرة أجزاء: ثمانية منها في العمالات و واحد في الحرف و الصناعات و باب ختامي، و انقسمت الأجزاء العشرة في ١٧٨ بابا، و تبدو دقة المؤلف في هذا الترتيب الذي سار عليه في كتابه، في الأجزاء و الأبواب و الفوائد، و توزيعه للمادة في مواضعها، و عدم تورطه في التكرار سهوا، و تكراره لبعض المعلومات عمدا لأنها قد تقع في غير باب واحد؛ و تتجلى دقته في الإحالة على مصادره، و في ذكر قائمة منها في آخر فصل من فصول كتابه، بحيث نقول إن الخزاعيّ يحترم النصّ و يعامله بأمانة؛ و قد جعل منهجه في كتابه أن يتحدث عن الخطة أو عن جانب منها في فصل من الفصول معتمدا على ما جاء في كتب الحديث بخاصة، ثم