الإشارات و التنبيهات - ابن سينا - الصفحة ١٦١
نصيحة
إياك أن تكون تكيسك و تبرزك عن العامة هو أن تنبري منكرا لكل شيء فذلك طيش و عجز، و ليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته دون الخرق في تصديقك ما لم تقم بين يديك بينة، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف و إن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك ما لم تتبرهن استحالته لك. فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان. و اعلم أن في الطبيعة عجائب و للقوى العالية الفعالة و القوى السافلة المنفعلة اجتماعات على غرائب.
خاتمة و وصية
أيها الأخ إني قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحق، و ألقمتك قفي الحكم في لطائف الكلم. فصنه عن الجاهلين و المبتذلين و من لم يرزق الفطنة الوقادة و الدربة و العادة، و كان صغاه مع الغاغة، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة و من همجهم فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته و استقامة سيرته و بتوقفه عما يتسرع إليه الوسواس و بنظره إلى الحق بعين الرضا و الصدق فإنه ما يسألك منه مدرجا مجزءا مفرقا تستفرس مما تسلفه لما تستقبله. و عاهده بالله و بإيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسيا بك فإن أذعت هذا العلم أو أضعته فالله بيني و بينك و كفى بالله وكيلا.