الإشارات و التنبيهات - ابن سينا - الصفحة ١٤٦ - إشارة في أن العارف يتقدم عن رتبة المشيئة
إشارة [إلى ما يسمى عند العارف بالوقت و هو أول درجات الاتصال]
ثم إنه إذا بلغت به الإرادة و الرياضة حدا ما عنت له خلسات من أطلاع نور الحق عليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه و هو المسمى عندهم أوقاتا و كل وقت يكتنفه وجدان وجد إليه و وجد عليه. ثم إنه ليكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن في الارتياض.
إشارة [في بيان أن الاتصال قد يحصل في غير حالة الارتياض]
ثم إنه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض. فكلما لمح شيئا عاج منه إلى جناب القدس يتذكر من أمره أمرا فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كل شيء.
إشارة [في أن العارف قد يزول عن سكينته]
و لعله إلى هذا الحد يستعلي عليه غواشيه و يزول هو عن سكينته فيتنبه جليسه لاستيفازه عن قراره. فإذا أطالت عليه الرياضة لم يستفزه غاشية، و هدي للتلبيس فيه.
إشارة [في أن الرياضة تبلغ العارف إلى حد يصير المخطوف مألوفا]
ثم إنه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوف مألوفا و الوميض شهابا بينا، و يحصل له معارفة مستقرة كأنها صحبة مستمرة، و يستمتع فيها ببهجته. فإذا انقلب عنها انقلب حيران أسفا.
إشارة [في أن العارف حد لا يرى عليه الابتهاج عند الذهاب]
و لعله إلى هذا الحد يظهر عليه ما به فإذا تغلغل في هذه المعارفة قل ظهوره عليه. فكان و هو غائب حاضرا، و هو ظاعن مقيما.
إشارة [إلى أن المعارفة المستقرة التي قد يحصل للعارف]
و لعله إلى هذا الحد إنما يتيسر له هذه المعارفة أحيانا، ثم يتدرج إلى أن يكون له متى شاء.
إشارة [في أن العارف يتقدم عن رتبة المشيئة]
ثم إنه ليتقدم هذه الرتبة فلا يتوقف أمره إلى مشيئة بل كلما لاحظ شيئا لاحظ غيره و إن لم تكن ملاحظته للاعتبار فيسنح له تعريج عن عالم الزور إلى عالم الحق مستقر به و يحتف حوله الغافلون.