الإشارات و التنبيهات - ابن سينا - الصفحة ١٤٢ - تنبيه في إثبات ما أثبته لبعض الجواهر العاقلة من العشق و الشوق
قد نال شيئا ما. و فاته شيء ما. و أما العشق فمعنى آخر. و الأول عاشق لذاته معشوق لذاته عشق من غيره أو لم يعشق؛ و لكنه ليس لا يعشق من غيره بل هو معشوق لذاته من ذاته و من أشياء كثيرة غيره.
و يتلوه المبتهجون به و بذواتهم من حيث هم مبتهجون به و هم الجواهر العقلية القدسية. فليس ينسب إلى الأول الحق، و لا إلى النائلين من خلص أوليائه القدسيين شوق.
و بعد المرتبتين مرتبة العشاق المشتاقين. فهم من حيث هم عشاق قد نالوا نيلا ما فهم ملتذون. و من حيث هم مشتاقون فقد يكون لأصناف منهم أذى ما. و لما كان الأذى من قبله كان أذى لذيذا. و قد تحاكى مثل هذا الأذى من الأمور الحسية محاكاة بعيدة جدا حال أذى الحكة و الدغدغة. فلربما خيل ذلك شيئا بعيدا منه. و مثل هذا الشوق مبدأ حركة ما فإن كانت تلك الحركة مخلصة إلى النيل بطل الطلب و حقت البهجة. و النفوس البشرية إذا نالت الغبطة العليا في حياتها الدنيا كان أجل أحوالها أن تكون عاشقة مشتاقة لا تخلص عن علاقة الشوق. اللهم إلا في الحياة الأخرى.
و يتلو هذه النفوس نفوس أخرى بشرية مترددة بين جهتي الربوبية و السفالة على درجاتها، ثم يتلوها النفوس المغموسة في عالم الطبيعة المنحوسة التي لا مفاصل لرقابها المنكوسة.
تنبيه [في إثبات ما أثبته لبعض الجواهر العاقلة من العشق و الشوق]
فإذا نظرت في الأمور و تأملتها وجدت لكل شيء من الأشياء الجسمانية كمالا يخصه، و عشقا إراديا أو طبيعيا لذلك الكمال، و شوقا طبيعيا أو إراديا إليه إذا فارقه رحمة من العناية الأولى على النحو الذي هي به عناية. فهذه جملة و تجد في العلوم المفصلة لها تفصيلا.