الإشارات و التنبيهات - ابن سينا - الصفحة ١٢٣ - هداية و تحصيل في بيان أن الوجود الممكن لذاته معلول للاول
وهم و تنبيه [في بيان أن الخلاء المحال يلزم من وجوب الحاوي و إمكان المحوي معه]
و لعلك تقول إن الحاوي و المحوي جميعا بحسب اعتبار نفسيهما غير واجبي الوجود. فخلو مكانيهما غير واجب الوجود. فاسمع أن هذين إذا أخذا معا ممكنين لم يكن هناك تحدد لشيء و لا مكان إن لم يملأ كان خلأ. إنما يعرض ما يعرض إذا كان محددا فيلزم مع تحديده أن يكون الحد محيطا بملإ أو غير محيط بملإ فيكون خلأ.
إشارة [في بيان أن امتناع عليّة الحاوى أعم من أن تكون العلة صورته أو نفسه]
و هذا القول واحد بعينه سواء نسب التقدم إلى صورة الجسم الحاوي، أو نفسه التي تكون كصورته، أو إلى جملته.
تذنيب [في إقامة الحجة على امتناع كون الجسم ما علة لجسم آخر]
قد استبان أنه ليست الأجسام السماوية عللا بعضها لبعض. و أنت إذا فكرت مع نفسك علمت أن الأجسام إنما تفعل بصورها، و الصورة القائمة بالأجسام و التي هي كمالية لها إنما تصدر عنها أفعالها بتوسط ما فيه قوامها، و لا توسط للجسم بين الشيء و بين ما ليس بجسم من هيولى أو صورة حتى يوجدهما أولا فيوجد بهما الجسم فإذن الصور الجسمية لا تكون أسبابا لهيوليات الأجسام و لا لصورها بل لعلها تكون معدة لأجسام أخر لصور ما يتحدد عليها، أو أعراض.
هداية و تحصيل [في بيان أن الوجود الممكن لذاته معلول للاول]
فقد بان لك أن جواهر غير جسمانية موجودة، و أنه ليس واجب الوجود إلا واحدا فقط لا يشارك شيئا آخر في جنس و لا نوع، فتكون هذه الكثرة من الجواهر الغير الجسمانية معلولة، و قد علمت أيضا أن الأجسام السماوية معلولة لعلل غير جسمانية فتكون هي من هذه الكثرة، و قد علمت أن واجب الوجود لا يجوز أن يكون مبدأ لاثنين معا إلا بتوسط أحدهما، و لا مبدأ للجسم لا بتوسط فيجب إذن أن يكون المعلول الأول منه جوهرا من هذه الجواهر العقلية واحدا، و أن يكون الجواهر العقلية الأخر بتوسط ذلك الواحد، و السماويات بتوسط العقليات.