الإنسان و آفاق المسؤولية - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٤ - الإنسان هو المسؤول الأول
فالخطاب في الآيات القرآنية موجّه كما هو واضح إلى المجتمع ككلّ كما نلاحظ ذلك في صيغة الجمع المستعملة في الآية الأُولى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنينَ). ثم يؤكد الله تعالى قائلًا: (وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ في شَيْءٍ إِلّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً). فالخطاب إذن موجّه إلى المجموع، وإلى المؤمنين كأُمّة، وكتجمّع حسب مراحل تصاعدهم.
ولكنّنا سرعان ما نجد السياق القرآني ينتقل من هذا الأسلوب في الخطاب إلى أسلوب آخر، فيقول الله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَدًا بَعيدًا).
وعلى هذا فإنّ كلّ نفس مسؤولة، وإن هناك رابطة مباشرة بين الإنسان وبين ربّه. فالله جلّ وعلا سيحاسبنا كأفراد على أعمالنا: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا). فالحساب لا يمكن أن يجري عبر التجمّع، فهو سبحانه لا يحاسب المجموعة عن الفرد من غير أن يحاسب الفرد، بل إنّه في البدء يحاسب الفرد بشكل مباشر.
ثم يعود السياق الكريم ليبيّن لنا أنّ الحساب الفرديّ لا يعني أن يكون العمل فرديّاً بعيداً عن التجمّع، والتنظيم، والتعاون البنّاء، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك قائلًا: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللّهُ).
وبذلك يمكننا أن نفكّ اللغز المطروح الآن وهو: هل القرآن الكريم يخاطب المجموع أم الأفراد، وهل يهتمّ