الإمام على عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٣ - حب الله تعالى فوق كل وشيجة
وقد بيَّن فلسفة ذلك في قصة أخرى حيث بلغ معاوية أن شاعرًا من أصحاب الإمام عليه السلام كان اسمه النجاشي قد هجاه، ولعل معاوية كان يعرف أنه يشرب الخمر، فدسَّ قومًا شهدوا عليه عند الإمام أنه شرب الخمر، فأخذه وحدّه.
فغضب جماعة على الإمام عليه السلام في ذلك- وكان بينهم طارقبن عبد الله الفهدي- فقال: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَا كُنَّا نَرَى أَنَّ أَهْلَ المَعْصِيَةِ وَالطَّاعَةِ وَأَهْلَ الْفُرْقَةِ وَالْجَمَاعَةِ عِنْدَ وُلَاةِ الْعَقْلِ وَمَعَادِنِ الْفَضْلِ سِيَّانِ فِي الْجَزَاءِ! حَتَّى مَا كَانَ مِنْ صَنِيعِكَ بِأَخِي الْحَارِثِ- يَعْنِي النَّجَاشِيَّ-، فَأَوْغَرْتَ صُدُورَنَا وَشَتَّتْتَ أُمُورَنَا وَحَمَّلْتَنَا عَلَى الْجَادَّةِ الَّتِي كُنَّا نَرَى أَنَّ سَبِيلَ مَنْ رَكِبَهَا النَّار (أي اتِّباع معاوية).
فقال علي عليه السلام: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [١].
يَا أَخَا بَنِي نَهْد! هلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ انْتَهَكَ حُرْمَةً مِنْ حرمة [حُرَمِ] اللهِ فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّهَا زَكَاةً لَهُ وَتَطْهِيرًا؟.
يَا أَخَا بَنِي نَهْدٍ! إِنَّهُ مَنْ أَتَى حَدًّا فَأُلِيمَ [٢] كَانَ كَفَّارَتَهُ.
يَا أَخَا بَنِي نَهْدٍ! إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ:
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [٣]» [٤].
لقد كانت نظرة الإمام عليه السلام إلى العدل والمساواة مستوحاة من لبِّ الوحي وروح الرسالة، وقد انعكست على مواقفه، وفي تأديبه
[١] سورة البقرة، الآية: ٤٥.
[٢] أي ارتكب ما يوجب عليه الحد فلامه الناس أو آلمه إقامة الحد عليه.
[٣] سورة المائدة، الآية: ٨.
[٤] بحار الأنوار، ج ٤١، ص ١٠.