الإمام على عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٨ - قصة الخوارج
بني راسب قالوا: لا نرضى، لا حكم إلَّا لله، فلما أخبر الإمام قال له: هل هي غير راية أو رايتين ونبذ من الناس؟ قال: لا.
صحيح أن أهل الكوفة كانوا قد تعبوا من الحرب، إلَّا أن أوارها كان لا يزال يَتَّقِدُ في أفئدة الكثيرين. فلما بادر المتطرفون بإعلان التمرد، انتشرت دعوتهم كالنار في الهشيم. فما راع الإمام إلَّا نداء الناس من كل جانب: لا حُكم إلَّا لله، لا حكم إلَّا لله، لا حكم إلَّا لله، يا علي لا حُكم لك، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين الله، إن الله قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه أن يُقتلوا أو يدخلوا في حكمنا عليهم.
وكلما نصحهم الإمام وذكَّرهم بأن العهد لا ينقض وقد جعلوا الله عليه وكيلًا، أبوا إلَّا الحرب وقالوا للإمام بالحرف الواحد: تُبْ إلى الله كما تُبْنَا، وإلَّا برئنا منك.
وعزَّز موقف الخوارج نتائج الحكمين حيث غرّر عمرو بن العاص بصاحبه أبي موسى الأشعري، فاتَّفق معه على أن يخلعا كلًّا من الإمام ومعاوية، وقدَّم عمرو صاحبه فلما فعل أبو موسى قام عمرو وقال: إن هذا خلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبتُ صاحبي معاوية. وهكذا دعمت عاقبة التحكيم جانب المتطرفين فاجتمعوا في منطقة (الحروراء) وبعث إليهم الإمام ابن عباس فناقشهم بالقرآن فلم يستجيبوا له، فذهب إليهم بنفسه وسأل عن الرجل المقدَّم فيهم فقيل: يزيد بن قيس الأرحبي، فذهب إلى خبائه وصلَّى ركعتين، ثم قام وقال:
«هَذَا مَقَامٌ مَنْ فُلِجَ فِيهِ فُلِجَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثم التفت إلى الناس وقال: أُنْشِدُكُمُ اللهَ، أَعَلِمْتُمْ أَحَدًا كَانَ أَكْرَهُ لِلْحُكُوْمَةَ مِنِّي؟».
قَالُوْا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: أَتَعْلَمُوْنَ بَأَنَّكُمْ أَكْرَهْتُمُوْنِيْ حَتَّى قَبِلْتُهَا؟.