بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٣٤٢ - الخطبة التي خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخر يوم من شعبان
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه خطب الناس آخر يوم من شعبان فقال: أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة شهر يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبة من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجراه شئ.
فقال بعض القوم: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال صلى الله عليه وآله: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن أو تمر أو شربة ماء، ومن أشبع صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها.
وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له، وأعتقه من النار.
واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لاغنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم، فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لاغنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة، تعوذون به من النار وعنه صلى الله عليه وآله أنه صعد المنبر فقال: آمين، ثم قال: أيها الناس إن جبرئيل استقبلني فقال: يا محمد من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فيه فمات فأبعده الله، قل: آمين فقلت: آمين.
وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: من لم يغفر له في شهر رمضان لم يغفر له إلى مثله من قابل إلا أن يشهد عرفة.
وعن علي عليه السلام أنه قال: صوم شهر رمضان جنة من النار [١].
[١] دعائم الاسلام ج ١ ص ٢٦٨ و ٢٦٩. وفى المجازات النبوية ص ١١٩: ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله " الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة " وهاتان استعارتان: أحدهما قوله (ع) " الصوم جنة " والمراد ان الصائم الذي يخلص في صومه، كأنه قد لبس جنة من العقاب وأخذ أمانا من النار، وللصوم مزية على سائر العبادات في هذا المعنى، وان كانت أديت على شروطها بهذه الصفة، وذلك أن الصيام لا يظهر أثره بقول اللسان ولا فعل الأركان، وإنما هو نية في القلوب وامساك عن حركات المطعم والمشرب، فهو يقع بين الانسان وبين الله خالصا من غير رياء ولا نفاق، وسائر العبادات وضروب القرب والطاعات قد يجوز أن يفعل على وجه الرياء والسمعة دون حقائق الاخلاص والطاعة وقال لي أبو عبد الله محمد بن يحيى الجرجاني الفقيه عند أصحابنا: ان الصلاة أفضل من الصيام، لأنها تتضمن ما في الصيام من الامساك، و فيها مع ذلك الخشوع وتلاوة القرآن. وقال النبي صلى الله عليه وآله: لا يزال العبد في جهاد الشيطان ما دام في صلاته فجعل الصلاة أيضا تتضمن معنى الجهاد فاما ما روى في الخبر من أنه عليه السلام قال حاكيا عن الله تعالى: " كل عمل ابن آدم له الا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به " فليس ما فيه من تفضيل الصوم بدال على أن غيره من العبادات ليس بأفضل منه وإنما وجه اختصاصه بالذكر من بين العبادات على التعظيم له لأجل ما قدمنا ذكره من أنه لا يفعل الاعلى محض الاخلاص ولا يتأتى في حقيقته شئ من الرياء والنفاق. وقد جاء عنه عليه السلام أنه قال: ليس في الصوم رئاء. وهذا بيان للمعنى الذي تكلمنا عليه. وحكى عن سفيان بن عيينة في تفسير هذا الخبر أنه قال: الصوم هو الصبر، لان الانسان يصبر عن المطعم والمشرب والمنكح، و قد قال تعالى: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " يقول فثواب الصوم ليس له حساب يعلم من كثرته على قدر كلفته ومشقته.