بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٧٩
وأفهمه معاني أصواتها على سبيل المعجز له ، وليس هذا بمنكر ، فان النطق بمثل هذا الكلام المسموع منا لايمتنع وقوعه ممن ليس بمكلف ولا كامل العقل ، ألا ترى أن المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلفون[١] بالكلام المتضمن للاغراض وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين ، والقول فيما حكي عن الهدهد يجري على الوجهين اللذين ذكرناهما في النملة ، فلا حاجة بنا إلى إعادتهما.
وأما حكايته أنه قال : « لاعذبنه عذابا شديدا أولا ذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين »[٢] وكيف يجوز أن يكون ذلك في الهدهد وهو غير مكلف ولا يستحق مثله العذاب؟
والجواب عنه أن العذاب اسم للضرر الواقع وإن لم يكن مستحقا ، فليس يجري مجرى العقاب الذي لايكون إلا جزاء على أمر تقدم فليس يمتنع أن يكون معنى لاعذبنه أي لاولمنه ، ويكون الله تعالى قد أباحه الايلام له كما أباحه الذبح له لضرب من المصلحة ، كما سخر له الطير يصرفها في منافعه وأغراضه ، وكل هذا لاينكر في النبي المرسل تخرق له العادات وتظهر على يده المعجزات ، وإنما يشتبه على قوم يظنون أن هذه الحكايات تقتضي كون النمل والهدهد مكلفين ، وقد بينا أن الامر بخلاف ذلك[٣].
انتهى كلامه ;. ففي بعض ماذكر فيه ، وقد أشرنا لمن له غرام[٤] إلى فهم المرام فيما مضى وما سيأتي إلى ما يكفيه ولم نتعرض للرد والقبول حذرا من أن ينتهي القول إلى مالا يرتضيه من يعرف الحق بالرجال ، ويمكن تأويل كلامه بحيث لاينافي ما نظن فيه ونعتقده من غاية العرفان ، والله أعلم بحقيقة الحال ، وسيأتي الاخبار الكثيرة في ذلك في أبواب المعجزات ومضى بعضها.
[١]في نسخة : قد يتكلمون.
[٢]النمل : ٢١.
[٣]الغرر والدرر ج ٢ ص ٣٤٩ ٣٥٣.
[٤]الغرام : الولوع.