قبس في تفسير القرآن - الخوئي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٨ - التفسير
فلا يرجى منهم ما هو مبني على قواعد اليقين كالإيمان.
أقول: هذه الجملة تستعمل كثيرا في مقام ردّ الزعم وإبطاله حتى ولو كان
المدعي واثقا تمام الثقة بالمدعى، فيقال لمن يدعي أمرا لا يقبله السامع:
«انك تتصور أو تتخيل أو تظن ذلك»و ليس المراد بها الإخبار عن كونه بالفعل
على تلك الصفة، وإنما المراد بها أن ما تدعيه لا يعدو بحسب واقعه ذلك، وأنه
في حقيقته ليس إلا ظنا وتخرصا وإن كنت أنت على يقين منه.
{ فويل للّذين يكتبون الكتاب
بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لّهم مّما
كتبت أيديهم وويل لّهم مّما يكسبون } .
الويل النقمة والحسرة والفضيحة، وفي بعض الأخبار أنه من طبقات جهنم السفلى، والظاهر أنه من باب التطبيق.
و فائدة ذكر اليد مع أن الكتابة لا تكون إلا بها هي تحقيق مباشرتهم ما
حرّفوه بأنفسهم زيادة في تقبيح فعلهم وشناعته، فهو تأكيد يفيد اليقين بصدور
الجريمة عن قصد وعمد وكناية عن كونه من تلقاء أنفسهم، فهو نظير قوله
تعالى: { يقولون بأفواههم مّا ليس في قلوبهم } [١]و قوله تعالى: { يقولون بألسنتهم مّا ليس في قلوبهم } [٢].
و عليه: فمعنى الآية الكريمة: أن النقمة والعذاب لأولئك الأحبار الذين
يتعمدون تحريف التوراة ثم يلقونها إلى العوام مدعين أنها هي التوراة
النازلة على موسى عليه السّلام، وأنها هي كتاب اللّه كل ذلك ليشتروا به
ثمنا قليلا ويحصلوا على حطام لا تدوم وملذات لا تستقر.
فويل لأولئك مما كتبت أيديهم واقترفت من جريمة، وويل لكسبهم وما يأخذونه بأزاء ذلك.
[١]آلعمران، الآية: ١٦٧
[٢]الفتح، الآية: ١١