نهضة الحسين (عليه السلام) - الحسيني الشهرستاني، هبة الدين - الصفحة ٩٥
ينزل من السماء» وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها وحرّك راحلته وقال: «السلام عليك».
وكان موكب الحسين (عليه السلام) يسير في بطون الفيافي والمفاوز وقوافل القلوب تشايعه من بعد بعيد وخفيف اللحاق من عشاقه مصمم على الالتحاق بموكبه بعد أداء فريضة الحج بأقرب ساعة، لكن الإمام يجد في مسراه والقمر دليل الركب ورفيقه ولما بلغ بطن عقبة لقيه شيخ من بني عكرمة فسأله:
«أين تريد؟» فقال الإمام: «الكوفة». فقال الشيخ: «أنشدك الله لما انصرفت، فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنة وحدّة السيوف، وأن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطأوا لك الأشياء فقمت عليهم كان ذلك رأياً».
فقال له الإمام: «ليس يخفى عليّ الرأي[١] ولكن الله تعالى لا يغلب على أمره» ثم قال (عليه السلام): «والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذل فرق الأمم».
١) هنا حق الجواب عمن اعترض على حسين الشرف: ولماذا لم يصالح يزيد كصلح الحسن (عليه السلام) لمعاويه فينجو بنفسه وعياله من الهلكة؟
بلى جرّب آل النبي غدر بني أمية عدّة مرات ولم ينجحوا، إذ تصالح الحكمان في دومة الجندل، وغدر ابن العاص مندوب معاوبة بأبي موسى الأشعري مندوب الإمام (عليه السلام) وصالح سيدنا الحسن معاوية فغدره هذا في وعوده وعهوده وأخيراً دس إليه السم فقتله، ثم جردوا ابن عمه مسلماً من سلاحه بالأيمان والعهود وسرعان ما حنثوا ونكثوا وقتلوه. أفبعد هذا كله يثق حسين العلاء بوعود هؤلاء أو نظن في صلحهم السلامه؟ ومن جرّب المجرّب حلّت به الندامة. نعم علم الحسين (عليه السلام) أنّه مقتول إذا بايع ومقتول إذا لم يبايع. وفي حالة خطرة كهذه لا يسوّغ شرع أو عقل اختيار قتلة خسيسة على قتلة شريفة «فقتل امرىء في جانب الله أفضل» لا سيما وفي إعلانه الخلاف ظن النصرة والنجدة ومظنة إرجاع مجده وإحياء شعائر شرع جدّه (صلى الله عليه وآله).