نهضة الحسين (عليه السلام) - الحسيني الشهرستاني، هبة الدين - الصفحة ١٠١
بلى! إنّ أبطال صادقين كبني هاشم إن تأخّروا في ميدان السياسة والخداع فلهم قصب السبق في ميادين العلم والدين والجود والشرف ومقارعة الكتائب.
وكان ندب بني هاشم يتلو القرآن دبر صلاته إذ سمع وقع حوافر الخيل وهمهمة الفرسان، فأوحت إليه نفسه بدنو الأجل، فبرز ليث بني عقيل من عرينه مستقبلاً باب الدار والعسكر ـ وعليهم محمّد بن الأشعث ـ وانتهى أمر المتقابلين إلى النزال ونزيل الكوفة راجل وهم فرسان، لكن فحل بني عقيل شدّ عليهم شدّ الضرغام على الأنعام وهم يولّونه الأدبار، ويستنجدون بالحاميات، وقذائف النارترمى عليه من السطوح.
اضطر ابن الأشعث إلى وعده مسلماً بالأمان إذا ألقى سلاحه فقال: «لا أمان لكم» وبعدما كرروا عليه رأي التسليم فريضة محافظة للنفس وحقناً للدماء فسلّم إليهم نفسه وسلاحه ثم استولوا عليه فعرف أنّه مخدوع فندم ولات وحين مندم.
ولما أدخلوه على ابن زياد لم يسلّم عليه بالإمرة فقال له الحرس: «ألا تسلّم على الأمير؟». فقال: «إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه؟!» فقال له ابن زياد: «لعمري لتقتلن». قال: «فدعني أُوصي بعض قومي». قال: «افعل».
فنظر مسلم إلى جلساء عبيد الله وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فقال: «يا عمر إنّ بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي سر» فامتنع من أن يسمع منه. فقال له عبيد الله: «لم تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمّك» فقام معه فجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد فقال له: «إن عليّ بالكوفة ديناً استدنته منذ قدمت الكوفة وهي سبعمائة درهم، فبع سيفي ودرعي فاقضها عني، وإذا قتلت فاستهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين (عليه السلام) من يردّه، فإني قد كتبت إليه وأعلمته أنّ الناس معه، ولا أراه إلاّ مقبلاً، ومعه تسعون إنساناً بين رجل وامرأة وطفل».