نهضة الحسين (عليه السلام) - الحسيني الشهرستاني، هبة الدين - الصفحة ١٦٦
بهم الى مثل هذه الحالة العصبية وعجزوا عن سلوان أنفسهم بمهل التاريخ فإنهم يختارون الموت في سبيل دفع الموت، ويفضلونه على الموت في سبيل انتظار الموت. أجل، إنّ الموت في سبيل دفاعه أفضل وأحوط من الموت في سبيل انتظاره، وقد كان الحسين (عليه السلام) مستميتاً ومستميتاً كل من كان معه، وكانت أنفسهم الشريفة متشربة من كأس التضحية وريانة من معين التفادي. وفي مقدمة هؤلاء أبو الفضل أكبر أخوة الحسين (عليه السلام) الممتاز في الكمال والجمال، وقمر بني هاشم، وحامل راية الحسين، وعقيد آماله في المحافظة على رحله وعياله. ولذلك شق على الحسين أن يأذن له بالبراز الى الأعداء، غير أنّه يأمل في مبارزته القوم إبلاغ الحجّة وإحياء الذريّة، وأن يعين على حياة العائلة بالسقاية والرواية ـ كما سبق منه ذلك ـ ولذلك صارت له درجة تغبطه عليه الشهداء، وإنّ أخبث رؤساء جيش العدو (شمر الكلابي) وهو على شقائه أمّن لعباس وأشقّائه ـ لنسبة بينه وبين أُم العباس أُم البنين ـ ولأنّ عباس الفتوة إذا عهدت اليه السقاية يعود منها بعودته الى الحسين (عليه السلام) فمن هذا وذاك وذياك كان جوابه لأخيه العباس: «إذن فاطلب من القوم لهؤلاء الأطفال جرعة من الماء».
فتوجّه العباس بن علي (عليه السلام) نحو الجيوش المرابطة حول الشرائع، فأخذوا يمانعونه عن الماء ويستنهض بعضهم بعضاً على معارضته ومقاتلته خشية أن يصل الماء الى عترة النبي (صلى الله عليه وآله). ولم يزل العباس يقارعهم ويقاتلهم ويقلب فئة على فئة، ويقلّ العصابة تلو العصابة حتى كمنوا له وراء نخلة من الغاضرية فقطعوا يمناه، فتلقى السيف بيسراه مثابراً على الدفاع غير مكترث بما أصابه، وهو يتلو الأراجيز،ويذكّر القوم بمآثر أهل البيت وحَسَبهم ونسبهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكمنوا له ثانية من وراء نخلة وضربوه بالسيف على يساره فقطعوه، فأضحى