نهضة الحسين (عليه السلام) - الحسيني الشهرستاني، هبة الدين - الصفحة ١٠٩
أجابه الحر: «بل تقدم إلى الصلاة يا ابن رسول الله ونحن نصلّي بصلاتك». كأنّه يذكّر الحاضرين أنّ الحسين (عليه السلام) إمام حق وابن إمام، وأنّ صلاة غيره بصلاته تصح وبصلاته تقام.
ثم إنّ الحسين (عليه السلام) لم يسعه ـ بعد أن رأى من كتبوا إليه كتائب عليه ـ إلاّ الذكرى والاحتجاج، فقال: «يا أهل الكوفة! إنّكم كتبتم إليّ ودعوتموني إلى العراق لإنقاذكم من سلطة الجور والفجور، فجئتكم ملبيّاً دعوتكم فإن كنتم قد تغيّرتم عمّا كنتم عليه فاتركوني أرجع من حيث أتيت».
قال هذا وأخرج لهم الكتب اعتماداً على شهامة الحرّ ـ وصدور الأحرار قبور الأسرار ـ ولإتمام الحجّة على الحاضرين من أصحابه فاعتذر الحر بأنّه ليس ممن كتب إليه.
ولا ننسى أنّ الحرّ هاجت عليه في ذلك الموقف الرهيب أفكار متضاربة لم تسمح له الظروف الحاضرة أن يختار منها سوى طريقة وسطى عرضها على الإمام، وهي: أن يسلك من فجاج البر سبيلاً وسطاً لا يؤدّي إلى الشام ولا يدخله الكوفة حتّى يكون بذلك نجاة الطرفين، فاستحسنه الحسين (عليه السلام) لأنه يريد الاتقاء من الأشرار دون أن يبلغ أحداً بسوء، وظن الحر لنفسه في ذلك مناصاً من مظلمة إيذاء العترة النبوية، ومقنعاً لأمراء أُمية، فيدفع عن عراقهم نهضة الحسين (عليه السلام) وأراحهم منها بدون سفك مهج، ولا خوض لجج، فكتب بعد نزوله «أقساس» مالك كتاباً إلى ابن زياد يتضمن الرأي والرواية.