نهضة الحسين (عليه السلام) - الحسيني الشهرستاني، هبة الدين - الصفحة ٥١
الفضيلة والرذيلة
الفضيلة محبوبة الجميع والرذيلة مكروة إلاّ لدى صاحبها،وإذا عدّت الفضائل فضيلة، فضيلة: من وفاء، وسخاء، وصدق، وصفاء، وشجاعة، وإباء، وعلم، وعبادة وعفة، وزهد، فحسين التاريخ رجل الفضيلة بجميع مظاهرها; كما أنّ معارضيه رجال الرذائل بكل معانيها لا يتناهون عن منكر فعلوه.
فأتت من أجل ذلك نهضة الحسين (عليه السلام) أُمثولة الحق والعدل، إذ بطل روايتها أقوى مثال للفضيلة، قد كانت حركة يزيد[١] أُمثولة الباطل والظلم، إذ بطل روايتها
١) طفحت مدونات التاريخ بمظالم يزيد وهتكه لحرمات الدين والحرمين في أيامه القصيرة، ويشترك معه ـ طبعاً ـ في الإثم كل من ساعده عليه أو ساعده على استخلافه، كالمغيرة بن شعبة الذي حمل معاوية على استخلاف يزيد وقصته معروفة، فصار أبوه لا يتريّث في ترشيحه للخلافة فولاه إمارة الحج مرتين بعد أن استتب له الأمر، وولاه الصائفة تارة وقيادة الجيش أخرى ـ والصائفة غزوة الروم، لأنّهم كانوا يغزون صيفاً، وصائفة القوم ميرتهم في الصيف ـ. كما وأخذ له البيعة من المسلمين في حياته طوعاً وكرهاً غير مبال بمن خالفوه وشنعوا عليه حتى مات معاوية سنة ستين ونادى يزيد بنفسه ملكاً على المسلمين وخليفة عن أسلافه.
وقد استمرت ولايته ثلاث سنوات تقريباً فكان عمله في السنة الأولى قتل الحسين ريحانة النبي (صلى الله عليه وآله) والبقية من آله ـ على الوجه المشروح في هذا الكتاب ـ وسبي ذراريه وعياله إلى الشام بأسوء من سبايا المشركين.
ولم تقف سوء نيّته عند هذا الحد حتى ثنى الفاجعة الأولى بالأخرى وتسمى «الحرة» فأخاف مدينة الرسول وجيرانه سنة ٦٣ هـ لأجل إنكارهم عليه منكرات أعماله المخالفة للشريعة، وفي صحيح مسلم عنه (صلى الله عليه وآله): «من أخاف أهل المدينة أخافه الله وكانت عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» وأمر يزيد باباحة حرم النبي (صلى الله عليه وآله) لجيشه ثلاثة أيام فعبثوا بها سلباً ونهباً وقتلاً وبغياً. حتى قيل في سفك دمائها وهتك نسائها ما يقشعر منه الإنسان. فلم يبق بعدها بدري في العرب، وأخذ منهم بالقهر إقرارهم على أنّهم عبيده وإماؤه لا يملكون في جنب أوامره مالاً أو عرضاً أو رقبة، وقتل كل ممتنع عن هذه البيعة القاسية ما عدا علي بن الحسين (عليه السلام)، وختم سني إمرته بحصار الكعبة ورميها بالحجارة من المنجنيق المنصوب على جبل أبي قبيس، وباستباحة القتل في البلد الحرام وفي الشهر الحرام: أي محرم سنة أربعة وستين بفرض إرغام عبيدالله بن الزبير ـ المستجير هو من معه بالمسجد الحرام ـ ورمى الكعبة بالنار يوم السبت ثالث ربيع الأول فأحرق أستارها وسقفها وقرني كبش إسماعيل فيها، وبقيت النار مضطرمة أحد عشر يوماً، في أثناء ذلك كان هلاك يزيد في رابع عشر ربيع الأول الموافق لعاشر نوفمبر سنة ٦٨٢ م.