نهضة الحسين (عليه السلام) - الحسيني الشهرستاني، هبة الدين - الصفحة ١٧٨
وعرضة للنسور والعقبان. ومما يثير الشجون والأحزان أنّ عليّ الإيمان حارب البغاة من أقطاب الحركة الأموية في صفين والجمل، وبعد قتلهم أجرى عليهم سنن التجهيز والدفن مراعياً حرمة الإسلام وحشمة الشهادتين، أمّا المنتقمون من حسين الحق وصحبه فلم يحترموا فيه أي شعار ديني أو أدب قومي، قنعوا منهم بدمائهم عن التغسيل وبالترب عن التحنيط وبنسيج الرياح عن التجهيز.
وليت شعري! ماذا يصنع أولياء الحق بصلاة أولياء الشيطان؟ وحسبهم منهم أن صلّت على جسومهم سيوفهم، وشيّعت أجسادهم نبالهم، وألحدت أشلاءهم العوادي والعاديات، فعليهم وإليهم صلوات الله والصالحين ودعوات طلاب العدل وعشاق الحق ما لاحت الإصباح وروحت الرياح.
هذا وما عتمت عشية الثاني عشر من محرم إلاّ وعادت الى أرياف كربلاء عشائرها الطاعنة عنها بمناسبة القتال وقطان نينوى والغاضريات من بني أسد ـ وفيهم كثير من أولياء الحسين (عليه السلام) وقليل ممن اختلطوا برجّالة جيش الكوفة ـ فتأملوا في أجساد زكية تركها ابن سعد في السفوح وعلى البطح تسفي عليها الرياح، وتساءلوا عن أخبارها العرفاء فما مرت الأيام والأعوام إلاّ والمزارات قائمة، وعليها الخيرات جارية، والمدائح تتلى، والحفلات تتوالى، ووجوه العظماء على أبوابها، وتيجان الملوك على أعتابها، وامتدت جاذبية الحسين (عليه السلام) وصحبه من حضيرة الحائر الى تخوم الهندوالصين وأعماق العجم وما وراء الترك والديلم والى أقصى من مصر والجزيرة والمغرب الأقصى يرددون ذكرى فاجعته بممر الساعات والأيام، ويقيمون مأتمه في رثائه ومواكب عزائه، ويجدون في إحياء قضيته في عامة الأنام،ويمثلون واقعته في ممر الأعوام، هذا بعض ما فاز به حسين النهضة من النصر الآجل والنجاح في المستقبل {وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ