منهج الشيعة في فضائل وصي خاتم الشريعة - عبد الله بن شرفشاه الحسيني - الصفحة ٢٨

وهذا يدلّ على أنّه عليه السّلام بلغ في كمال العلم إلى أقصى ما تبلغ إليه القوّة البشريّة، ولم يدّع ممّن عداه هذه المرتبة.

وقوله عليه السّلام: لقد اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى[١] البعيدة[٢].

وذلك يدلّ على اختصاصه بعلوم ليس في قوى غيره من الصحابة الوصول إليها.

وقوله عليه السّلام: انّ هاهنا لعلماً جمّاً لا أجد له حملة ـ وأشار إلى صدره ـ[٣].

وهو يدلّ على وصوله في العلم إلى مرتبة لا يمكن لأحد من جميع المخلوقات من الملائكة والبشر الوصول إليها، سوى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم; لكونه نفسه بآية المباهلة، لأنّه نكرةٌ في سياق النفي، فيفيد العموم.

وأما الكمال العمليّ، وهو العبادات الخمس: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، فقد أتى بها جميعها، وبلغ الغاية في كلّ واحدة منها، كما سيأتي ذلك في ذكر الفضائل التفصيليّة[٤].

فمن جملتها حينئذ الجهاد، وقد نقل المؤرخون أنّ مبارزاته عليه السّلام كانت اثنتين وسبعين مبارزة، واحدة منها قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في حقّها: "لمبارزة عليّ عمرو بن [عبد] ود العامري، أفضل من عمل أُمّتي إلى يوم القيامة"[٥].

فانظر حينئذ أيّها المنصف الفطن اللبيب، إلى هذه الفضيلة الغريبة العجيبة، التي هي موضع الفكر والحيرة، وهو إنّ قسماً واحداً من أصل اثنتين وسبعين


[١] الأرشية: جمع رشاء بمنى الحبل، والطوى: جمع طويّة وهي البئر، والبئر البعيدة: العميقة.

[٢] نهج البلاغة، الخطبة : ٥، وفي ارشاد القلوب ٢: ١٤ ، البحار ٣٥ : ٤ ح ٢ باب ١ عن كشف الغمة .

[٣] نهج البلاغة، قصار الحكم: ١٤٧، وفي كمال الدين : ٢٩١ ح٢، عنه البحار ٢٣: ٤٦ ح٩١، وارشاد القلوب ٢: ١٤.

[٤] كذا الظاهر، وفي النسختين: التفضيليّة.

[٥] البحار ٣٦ : ١٦٥ ح ١٤٧ باب ٣٩، وقال ابن شهر آشوب في المناقب ٢: ٢٩٨ تحت عنوان "معجزاته في نفسه": ويروى وثبته أربعون ذرعاً إلى عمرو، ورجوعه إلى خلف عشرون ذراعاً، وذلك خارج عن العادة.