محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٤٧
فقام الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون عليا ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاءا حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام، فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسَمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق، أن لا يجيزوا لأحد من شيعة على وأهل بيته عليهم السلام شهادة، وأن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته.
ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة، إلا كتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حينا.
وكتب معاوية إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر، وفشا في كل مصر، وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، والخلفاء الأولين (أبي بكر وعمر)، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب (الإمام علي عليه السلام) وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضائله.
قرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة ولا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشاروا بذكر ذلك