خلافة الرسول بين الشورى والنص - مركز الرسالة - الصفحة ١٢٢

«أما والله لقد تقمّصها فلان، وإنّه لَيعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إليَّ الطير..

فسدلتُ دونها ثوباً، وطويت عنها كَشحاً، وطفقتُ أرتئي بين: أن أصولَ بيدٍ جذّاء، أو أصبر على طخيةٍ عمياء !... فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العين قذىً، وفي الحلق شجاً، أرى تراثي نَهْباً!

حتّى مضى الاَوّل لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده..

فيا عجباً ! بينا هو يستقيلها [١]في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته !!

لشدَّ ما تشطّرا ضَرعيها !..

فصبرتُ على طول المدّة، وشدّة المحنة.. حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعةٍ زَعَم أنّي أحدهم ! فيالله وللشورى ! متى اعترضَ الريبُ فيَّ مع الاَوّل منهم حتّى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر ؟!..» [٢].

إذن أبو بكر أيضاً كان يعلم أنّ محلّ عليٍّ من الخلافة محلَّ القطب من الرحى !

وقد يبدو هذا في منتهى الغرابة لمن أَلِفَ التصوّر القدسي لتعاقب الخلافة، ذاك التصوّر الذي صنعه التاريخ وفق المنهج الذي قرأناه في البحوث المتقدّمة، ومن هنا استنكروه، كما استنكروا سائر كلامه في الخلافة، وقبله استنكروا جملة من الحديث النبوي الشريف الذي يصدم


[١]إشارة إلى قول أبي بكر: أقيلوني، أقيلوني.

[٢]نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ: الخطبة ٣.