خلافة الرسول بين الشورى والنص - مركز الرسالة - الصفحة ٩٣
لكن بعد هذا جاء دور المتكلّمين، فبذلوا جهوداً مضنيةً في تأويله وصرفه عن معناه، بل تجريده من كلّ معنىً !!
فحين رأوا أنّ الاِقرار بدلالته على الولاية العامّة يفضي إلى إدانة التاريخ وتخطئة كثير من الصحابة، ذهبوا إلى تأويله بمجرّد النصرة والمحبّة، فيكون معنى الحديث: يا معشر المؤمنين، إنّكم تحبّونني أكثر من أنفسكم، فمن يحبّني يحبّ عليّاً، اللّهمّ أحبّ من أحبّه، وعادِ من عاداه[١]!
وحين رأوا أنّ جماعة من الصحابة قد عادَوه وحاربوه، ومنهم: عائشة وطلحة والزبير، وأنّ آخرين قد أسّسوا دينهم ودنياهم على بغضه، ومنهم: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة ومروان وعبد الله بن الزبير.. ذهبوا إلى حقّ هؤلاء في الاجتهاد مقابل ذلك النصّ، فهم معذورون وإن أخطأوا، بل مأجورون أجراً واحداً لاَجل اجتهادهم [٢]!!
وهكذا أصبح الخروج على نصوص الشريعة حتّى في مثل تلك الطرق السافرة، اجتهاداً يُثاب صاحبه، وليس بينه وبين الآخر الذي تمسّك بالشريعة وقاتل دونها إلاّ فرق الاَجر ! فالذي قاتل الشريعة له نصف أجر الذي قاتل دونها !!
لقد كان الاَوْلى بهم أن يتابعوا سُنّة الرسول، ويوقِّروا نصّه الشريف الثابت عنه، بدلاً من إفراطهم في متابعة الاَمر الواقع الذي ظهر فيه اختلاف كثير..
[١]الآلوسي، روح المعاني ٦: ١٩٥ وما بعدها.
[٢]أُنظر: الفِصَل في الملل والنحل ٤: ١٦١ و ١٦٣، البداية والنهاية ٧: ٢٩٠، الباعث الحثيث: ١٨٢.