أصول الفقه - الحلي، الشيخ حسين - الصفحة ٤٢٩ - كلام مبسوط حول قاعدة الميسور
المشقّة غير البالغة حدّ عدم القدرة العقلية ، وغير البالغة لحدّ العسر والحرج ، لكان ذلك الترك منجرّاً إلى العصيان والتمرّد والطغيان ، وكان ذلك بالأخرة منتهياً إلى الكفر والارتداد.
ومن ذلك يظهر لك أنّ هذا الحديث الشريف أجنبي عن محلّ البحث بمراحل ، ولعلّ المراد من قوله صلىاللهعليهوآله : « ما استطعتم » هو عدم توطّن نفوسكم على الامتثال ، وأنّ نفوسكم لا تطيق الصبر على التكليف الزائد على الاتيان بالفعل مرّة ، على حذو قوله : ( إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ )[١].
وعلى كلّ حال ، فإنّ « ما » في قوله صلىاللهعليهوآله : « إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم » إمّا أن تكون موصولة أو ظرفية مصدرية ، فإن كانت موصولة كانت مفعولاً لقوله صلىاللهعليهوآله : « فاتوا » وحينئذ يتعيّن في « من » أن تكون بيانية أو تبعيضية ، وعلى هذا التقدير لا يستقيم جعلها بمعنى الباء ، وذلك واضح لا يكاد يخفى.
وإن جعلنا لفظ « ما » مصدرية ظرفية ، تعيّن في لفظ « من » أن تكون صلة لقوله : « ائتوا » على معنى الباء ، ولا يصحّ حينئذ جعلها بيانية ، وذلك واضح. وأيضاً لا يصحّ جعلها للتبعيض لو حمل الشيء على الكلّ ، لأنّ محصّله حينئذ هو أنّه إذا أمرتكم بشيء فاتوا بعضه ما دمتم مستطيعين ، وهذا غير مستقيم ، لأنّ التقييد بالاستطاعة إنّما يناسب الأمر بالاتيان بالكلّ ، لا الأمر بالاتيان بالبعض. نعم لو حمل الشيء على الكلّي صحّ جعل « من » للتبعيض ، ليكون المعنى فاتوا البعض من ذلك الكلّي مدّة استطاعتكم. والحاصل : أنّ حمل لفظة « من » على التبعيض من حيث الأجزاء لا يجتمع مع حمل لفظة « ما » على الظرفية المصدرية.
وعلى كلّ حال ، لو حملناها على المعنى الثاني أعني كون « ما » مصدرية
[١] محمّد ٤٧ : ٣٧.