أصول الفقه - الحلي، الشيخ حسين - الصفحة ٣٥١ - بحث مفصّل حول الدليل على تكليف الناسي ببقيّة الأجزاء
الدليل على أخذ القدرة على الجزء قيداً شرعياً في وجوب تقييد المأمور به بذلك الجزء.
وإن لم يكن لنا مثل ذلك الدليل ، وبقينا نحن والأمر المتعلّق بالكل المشتمل على ذلك الجزء ، فإن اتّفق لنا العجز عن بعض أجزائه ، لم يكن ذلك إلاّ من مجرّد عدم القدرة على ذلك المركّب ، لأنّ عدم القدرة على الجزء عين عدم القدرة على الكل ، وحيث إنّ العقل حاكم بقبح تكليف العاجز ، فلا محيص حينئذ من القول بسقوط ذلك الأمر المتعلّق بالكل ، وهذا هو المراد من إطلاق الجزئية المنتزعة عن الأمر الضمني المتعلّق بالجزء في ضمن تعلّقه بالكل ، فإنّ ذلك عبارة عن إطلاق ذلك الأمر الضمني ، الذي هو عبارة عن إطلاق الأمر بالكل وعدم تقييده شرعاً بالقدرة وإن كان مقيّداً عقلاً بها ، فإنّ التقييد العقلي الذي مرجعه إلى حكم العقل بسقوط التكليف عن العاجز ، لا ينافي الاطلاق الشرعي ، بمعنى عدم أخذ القدرة قيداً شرعياً في الوجوب ، وبذلك يصحّ لنا القول بأنّ الأمر الضمني الذي هو منشأ انتزاع الجزئية مطلق ، يعني أنّه غير مقيّد شرعاً بالقدرة ، في قبال النحو الأوّل الذي عرفت أنّ لازمه التنويع ، وأنّ المكلّف إن كان قادراً على الجزء وجب عليه تقييد الكل به ، وإن لم يكن قادراً على ذلك الجزء لم يجب عليه تقييده به ، بل لا يلزمه إلاّ الاتيان به مجرّداً عن القيد المزبور ، وهذا بخلاف النحو الثاني ، فإنّ مجرّد حكم العقل بسقوط الخطاب لا يلزمه التنويع المذكور.
لا يقال : إنّ حكم العقل بسقوط الخطاب عند عدم القدرة يكون مقصوراً على المقدار غير المقدور ، وليس غير المقدور إلاّ الجزء ، فلا يكون العقل حاكماً إلاّ بسقوط الخطاب المتعلّق به الذي هو منشأ انتزاع جزئيته ، دون الخطاب المتعلّق بأصل الواجب الذي هو ما عداه من الأجزاء.