أصول الفقه - الحلي، الشيخ حسين - الصفحة ١٦٨ - بحث مفصّل في الوجوه المذكورة لسقوط لزوم الموافقة القطعية في أطراف الشبهة غير المحصورة وما يقتضيه كلّ منها
عدم لزوم الاجتناب عن أطراف الشبهة. وما أفاده الشيخ قدسسره [١] في ردّها بكون المراد هو أنّ جعل الميتة في مكان خاصّ لا يوجب العلم بوجودها فيه في باقي الأمكنة بعيد غاية البعد ، بل يكاد يقطع بعدم إرادته.
نعم ، لو كان ذلك المكان معيّناً عند السائل لأمكن أن يقال : إنّ مفاد الرواية حينئذ هو أنّ علمك بوجود الحرام في ذلك المكان لا يوجب الاجتناب عن جميع ما في الأرض ، لكن المفروض أنّه لم يعيّن مكاناً خاصّاً ، وإنّما أقصى ما عنده هو أنّه قد علم بوجود المحرّم في جملة الجبن الموجود في الأرض من جهة أنّه أخبره من رأى أنّه يجعل فيه الميتة ، فصار بسبب ذلك يعلم إجمالاً بأنّ ما في الأرض بعضه محرّم ، هذا.
مضافاً إلى تصريح الإمام عليهالسلام بأنّه عليهالسلام يشتري اللحم من السوق ، وأنّه عليهالسلام لا يظنّ أنّ كلّهم يسمّون ، الظاهر في أنّ المراد من نفي الظنّ نفي الاحتمال ، كما أفاده الشيخ نفسه في بيان معنى قوله عليهالسلام : « ما أظن كلّهم يسمّون » ، فإنّ إرادة نفي الاحتمال من نفي الظنّ شائع كثير.
وبالجملة : أنّ الرواية ظاهرة بل صريحة في الاستنكار على من يلتزم بالاجتناب عن الجبن الموجود في الأرض لوجود الميتة في بعض أطرافه ، وهو عين ما نحن فيه من الشبهة غير المحصورة.
ولا يبعد أن يكون مدرك ذلك الإجماع هو هذه الرواية الشريفة ، وحيث إنّها لم تقيّد جواز الارتكاب بمقدار ما يرتفع به العسر والحرج ، كان تنزيلها على الوجه الثاني من وجهي إعمال العسر والحرج مقطوعاً بعدمه. ونظراً إلى أنّ الاجتناب عن الجبن الموجود في جميع أقطار الأرض ممّا يحتمل أنّه فيه الميتة
[١] فرائد الأُصول ٢ : ٢٦٢ ـ ٢٦٣.