المناهج التفسيريّة في علوم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٢ - ١ تفسير الصريح الفظري
الأَوّل وَالآخر وَالظّاهر وَالباطِن وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَليم ). [١]
وهذه الصفات صفات متناقضة لا تجتمع في شيء واحد مع أنّه سبحانه يصف نفسه بها ، فلو كان أوّلاً كيف يكون آخراً؟ ولو كان ظاهراً كيف يكون باطناً؟ فأوّل الناس في العمل لا يكون آخرهم فيه وهكذا الظاهر والباطن.
ولكن يمكن تفسير ذلك من خلال كونه محيطاً بالموجودات الامكانية أوّلاً ، وقيامهم به قيام المعنى الحرفي بالاسمي ثانياً.
فإذا كان محيطاً بوجوده على كلّ شيء فكلّما فرض أوّلاً فهو قبله بحكم كونه محيطاً والشيء محاطاً ، فهو الأوّل دون الشيء المفروض أوّلاً ، وكلّ ما فرض آخراً فهو بعده لحديث إحاطة وجوده به من كلّ جهة ، فهو الآخر دون الشيء المفروض وليس أوّليته تعالى ولا آخريته زمانية ولا مكانية ، بل بمعنى كونه محيطاً بالأشياء على أيّ نحو فرضت وكيفما تصوّرت.
فإذا كان العالم قائماً به قيام المعنى الحرفي بالاسمي ، فكيف يمكن خلو العالم عن وجود الواجب؟ فالعالم بما فيه من الصغير والكبير ، ومن الذرة إلى المجرّة ، ومن المادي إلى المجرد ، قائم به سبحانه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي ، فيكون سبحانه ظاهر العالم وباطنه.
وبالجملة إحاطته له وقيمومته للوجود الإمكاني يجعله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ويترتب عليه قوله سبحانه ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنما كُنْتُمْ ) [٢] ، ومن الخطأ الواضح تفسير هذه المعية بالمعية العلمية ، بل هي معية وجودية لكن حسب ما ذكره الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام في خطبته : « لم يحل في الأشياء فيقال هو كائن ، ولم ينأ
[١] الحديد : ٣.
[٢] الحديد : ٥٧.