المناهج التفسيريّة في علوم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥١ - ٣ نسخ الحكم والتلاوة
قال الزرقاني : أمّا نسخ الحكم والتلاوة جميعاً ، فقد أجمع عليه القائلون بالنسخ من المسلمين ، ويدلّ على وقوعه سمعاً ما ورد عن عائشة أنّها قالت :
« كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن ، ثمّ نسخن بخمس معلومات ، وتوفّي رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم وهن فيما يقرأ من القرآن ».
وهو حديث صحيح وإذا كان موقوفاً على عائشة فانّ له حكم المرفوع ، لأنّ مثله لا يقال بالرأي ، بل لابدّ فيه من توقيف.
وأنت خبير بأنّ جملة « عشر رضعات معلومات يحرمن » ليس لها وجود في المصحف حتى تتلى ، وليس العمل بما تفيده من الحكم باقياً ، وإذن يثبت وقوع نسخ التلاوة والحكم جميعاً ، وإذا ثبت وقوعه ثبت جوازه ، لأنّ الوقوع أدلّ دليل على الجواز ، وبطل مذهب المانعين لجوازه شرعاً ، كأبي مسلم وأضرابه. [١]
أقول : وقد أفتى بمضمونها الشافعي حسب ما رواه السرخسي في أُصوله ، فنقل عنه أنّه استدلّ بما هو قريب من هذا في عدد الرضاعات ، وكذلك أفتى بمضمونها ابن حزم في محلاّه. [٢]
وكفانا في الردّ على ذلك ما ذكره السرخسي في أُصوله وقال : والدليل على بطلان هذا القول ، قوله تعالى : ( إِنّا نَحْنُ نَزّلنا الذِّكْر وَإِنّا لَهُ لَحافِظُون ). ومعلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه تعالى ، فانّه يتعالى من أن يوصف بالغفلة أو النسيان فعرفنا أنّ المراد الحفظ لدينا ، وقد ثبت أنّه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ولو جوّزنا هذا في بعض ما أوحي إليه ، لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه ، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لا يبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس
[١] مناهل العرفان : ٢ / ٢٣١ ـ ٢٣٢.
[٢] المحلى : ١٠ / ١٥.