المناهج التفسيريّة في علوم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٩ - العلم بتأويل المتشابه
فعلى ضوء ذلك يجب أن يكون القرآن مفهوماً و معلوماً من بدئه إلى ختمه على ضوء الأُصول التي ذكرناها عند البحث عن مؤهلات المفسر ، ومنه الآيات المتشابهة فقد أنزلت للهداية والتذكرة فلا معنى لأن يستأثر اللّه بعض آياته على العباد ، وعلى ضوء ذلك لم نجد أحداً من علماء الأُمّة يتوقف في تفسير الآية بذريعة انّ الآية متشابهة ، بل ظل يتفحّص عن القرائن الرافعة للشبه حولها ، وقد أيّد هذا المعنى فريق من العلماء.
قال الشيخ أبو علي الطبرسي : وممّا يؤيد هذا القول ـ أي انّ الراسخين يعلمون التأويل ـ انّ الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن ولم نرهم توقفوا على شيء منه لم يفسروه بأن قالوا : هذا متشابه لا يعلمه إلاّ اللّه. [١]
وقال الإمام بدر الدين الزركشي : انّ اللّه لم ينزل شيئاً من القرآن إلاّ لينتفع به عباده ، ويدلّ به على معنى أراده ـ إلى أن قال : ـ ولا يسوغ لأحد أن يقول : انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يعلم المتشابه ، فإذا جاز أن يعرفه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مع قوله : ( وَما يَعْلم تَأْويله إِلاّ اللّه ) جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته ، والمفسرون من أُمّته.
ألا ترى أنّ ابن عباس كان يقول : أنا من الراسخين في العلم. ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه إلاّ أن يقولوا « آمنا » لم يكن لهم فضل على الجاهل ، لأنّ الكلّ قائلون ذلك. قال : ونحن لم نر المفسرين إلى هذه الغاية توقّفوا عن شيء من القرآن ، فقالوا : هذا متشابه لا يعلم تأويله إلاّ اللّه ، بل أمرّوه على التفسير حتّى فسروا الحروف المقطعة. [٢]
ثمّ إنّ في نفس الآية دلالة واضحة على أنّه معطوف على لفظ الجلالة وهو انّه سبحانه يصف هؤلاء بالرسوخ في العلم ومقتضى الرسوخ فيه العلم بالتأويل
[١] مجمع البيان : ١ / ٤١٠.
[٢] البرهان : ٢ / ٧٢ ـ ٧٣.