المناهج التفسيريّة في علوم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١١ - موقف المنار من المعاجز والكرامات
٥. قال اللّه تعالى : ( أَلَمْ تَر إِلَى الّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوت فَقالَ لَهُمُ اللّه مُوتُوا ثُمَّ أَحياهُمْ إِنَّ اللّه لَذُو فَضْل عَلَى النّاس ولكِنْ أَكْثَر النّاس لا يشكُرون ). [١]
ذهب الجمهور إلى أنّهم قوم من بني إسرائيل فرّوا من الطاعون أو من الجهاد فأرسل عليهم الموت ، فلمّا رأوا انّ الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً منه ، فأماتهم اللّه جميعاً وأمات دوابّهم ثمّ أحياهم لمصالح وغايات أشير إليها في الآية.
لكن الأُستاذ أنكر ذلك واختار كون الآية مسوقة سوق المثل ، وانّ المراد بهم قوم هجم عليهم أُولو القوة والقدرة من أعدائهم فلم يدافعوا عن استقلالهم وخرجوا من ديارهم وهم أُلوف ، فقال لهم اللّه موتوا موت الخزي والجهل ، والخزي موت والعلم وإباء الضيم حياة ، فهؤلاء ماتوا بالخزي ثمّ أحياهم بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحقّ ، فقاموا بحقوق أنفسهم واستقلّوا في أمرهم.
يلاحظ عليه : أنّه لو كانت الآية مسوقة سوق المثل وجب أن تذكر فيه لفظة « المثل » كما هو دأبه سبحانه في الأمثال القرآنية ، مثل قوله : ( كَمَثَل الَّذي اسْتَوقَدَ ناراً ). [٢]
وقوله تعالى : ( إِنّما مَثَلُ الحَياة الدُّنْيا كَماء أَنْزَلْناهُ ). [٣]
وقوله تعالى : ( مَثَلُ الَّذينَ حمِّلُوا التَّوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمار يَحْمِلُ أَسفاراً ). [٤]
فحمل الآية على المثل وإخراجها عن كونها وردت لبيان قصة حقيقية ،
[١] البقرة : ٢٤٣.
[٢] البقرة : ١٧.
[٣] يونس : ٢٤.
[٤] الجمعة : ٥.