المناهج التفسيريّة في علوم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٥ - الصفات الخبرية و كون الظواهر قطعيّة
لوحظت مع القرائن المحتفة بالكلام ، يتبيّن الظهور التصوّري عن التصديقي والابتدائي عن الاستقراري ، ويتبين انّ هذه الآيات غنية عن التأويل ( بمعنى حمل الظاهر التصديقي على خلاف ظاهره ) وأنّ دلالتها على معانيها قطعيّة لكن بالشرط الذي ذكرناه.
ولأجل توضيح ذلك نفسر الآيات التي ورد فيها لفظ اليد حتى يتضح انّ تلك الآيات ليست بحاجة إلى التأويل بهذا المعنى ، أي حمل الظاهر على خلافه ، ويكون مقياساً لسائر الآيات التي ربما يكون ظاهرها البدويّ ، موهماً خلاف التنزيه :
١. يقول سبحانه ( قالَ يا إِبليسُ ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَديّ أَسْتَكْبَرتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العالين ). [١]
فنقول : إنّ اليد في الآية استعمل في العضو المخصوص ولكن كُنِّي بها عن الاهتمام بخلقة آدم حتى يتسنّى بذلك ذم إبليس على ترك السجود لآدم ، فقوله سبحانه : ( ما منَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بيدي ) كناية عن أنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتى يصحّ لك يا شيطان التجنّب عن السجود له ، بحجة أنّه لا صلة له بي ، مع أنّه موجود خلقتُه بنفسي ، ونفخت فيه من روحي ، فهو مخلوقي الذي قمت بخلقه ، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له.
فأُطلقت الخلقةُ باليد وكُنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه ، وعنايته بإيجاده ، وتعليمه إيّاه أسماءه ، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد ، يقول : هذا ما بنيته بيدي ، أو ما صنعته بيدي ، أو ربيّته بيدي ، ويراد من الكل هو القيام المباشري بالعمل ، وربما استعان فيه بعينه وسمعه وغيرهما من الأعضاء ،
[١] ص : ٧٥.