المناهج التفسيريّة في علوم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٦ - ماهو المتشابه وماهو تأويله؟
وأمّا الراسخون فتأويلهم هو إرجاع الآية إلى واقعها ، بالإمعان في الآية والقرائن الحافّة بها ، منضماً إلى ما ورد في الآيات المحكمة في هذا الموضوع ، فيفسرون ما سبق من الآيات حول الهداية والضلالة ، بقوله سبحانه : ( وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر ) [١] ، وبقوله سبحانه : ( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِن اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِليَّ رَبّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيب ). [٢]
فكلتا الطائفتين يأوّلون أي يرجعون الآية إلى المراد منها ، فيأخذ أصحاب الزيغ بالظاهر المتزلزل الموافق لهواهم ونزعتهم ، فيجعلونه ذريعة لنشر البدع والضلالة ؛ وأمّا الآخرون فيأوّلونه بإرجاع المتشابه إلى المحكمات التي هي أُمّ الكتاب.
هذه هي حقيقة المتشابه وحقيقة التأويل فيه ، وليس تأويل كلتا الطائفتين بمعنى صرف الظاهر المستقر عن ظاهره ، بل هو إمّا الأخذ بالظاهر البدوي لغاية الفتنة ، أو إرجاعه إلى الظاهر المستقر بالإمعان في نفس الآية والقرائن المكتنفة بها ، مضافاً إلى الآيات المحكمة الواردة في نفس ذلك الموضوع.
وقد عرفت هذا النوع من التأويل في تفسير اليد [٣] في قوله سبحانه : ( وَالسَّماء بَنَيْناها بِأَيْد وَإِنّا لَمُوسِعُون ). [٤]
وبما ذكرنا في المقام تقدر على تأويل عامة الآيات المتشابهة نظير :
١. العين ، كقوله سبحانه : ( وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ). [٥]
[١] الكهف : ٢٩.
[٢] سبأ : ٥٠.
[٣] لاحظ مبحث : دلالة القرآن ، قطعيةص٥٣ ـ ٥٦.
[٤] الذاريات : ٤٧.
[٥] طه : ٣٩.