المناهج التفسيريّة في علوم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٢ - ٢ التأويل في القرآن الكريم
الإبهام ويثبت ظاهره انّ للّه سبحانه أيد بنى بها السماء ، ولكن رفع الإبهام عن الآية بالإمعان في القرائن الحافّة بها تأويل لها ، أي إرجاع لها إلى ما قصد منه حقيقة ، وسيوافيك انّ تأويل المتشابه قسم من هذا النوع.
الثاني : إرجاع الفعل إلى واقعه بمعنى رفع الإبهام عنه بذكر مصالحه والدواعي التي حملت الفاعل إلى العمل ؛ وهذا كما في عمل مصاحب موسى حيث أتى بأعمال مبهمة ومريبة من خرق السفينة وقتل الصبي وبناء الجدار الذي كاد أن ينقضّ ، فسأله موسى عن الدواعي فبيّنها وقال : ( ذلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبراً ) [١] ، فالتأويل في الآية رفع الإبهام عن الفعل ، وإرجاع ظاهرة المريب إلى واقعه.
ومن هذا القبيل وصف الكيل المقرون بالعدل والإنصاف « بكونه أحسن تأويلاً » أي أحسن مآلاً ، يقول سبحانه : ( وَأَوفُوا الكَيلَ إذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقيم ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحسَنُ تَأويلاً ) [٢].فالمراد أحسن مآلاً لما يترتب على إجراء العدل في عملية الوزن من المصالح والغايات الصحيحة.
حتى أنّ القرآن يستعمله في مورد الرجوع إلى قضاة العدل ، يقول سبحانه : ( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شيء فَرُدُّوهُ إِلى اللّهِ والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً ) [٣] أي أحسن مآلاً ، لأنّ في الرجوع إلى اللّه والرسول إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل على خلاف الرجوع إلى الجبت والطاغوت.
الثالث : تأويل الرؤيا التي يكتنفها الإبهام ، فإنّ الرؤيا الصادقة على أقسام : منها ما تتصل نفس النائم بالواقع غير انّ النفس تتصرف فيما تراه قبل أن يستيقظ
[١] الكهف : ٨٢.
[٢] الإسراء : ٣٥.
[٣] النساء : ٥٩.