بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٨ - حوادث وطوارئ مريرة في عصر الخلافة العلوية
ورضي بحكم القرآن ، فقال الأشتر : إن كان أميرالمؤمنين قد قبل ورضى ، فقد رضيت بما رضي به أميرالمؤمنين.
فأقبل الناس يقولون : قد رضي أمير المؤمنين ، قد قبل أميرالمؤمنين ، وهو ساكت لا يبضُّ بكلمة ، مطرق إلى الأرض [١].
ثم قام فسكت الناس كلّهم فقال : « أيّها الناس إنّ أمري لم يزل معكم على ما أحبُّ إلى أن أخذت منكم الحرب ، وقد والله أخذت منكم وتركت ، وأخذت من عدوّكم فلم تترك ، إلاّ انّي قد كنت أمس أمير المؤمنين فصرت مأموراً ، وكنت ناهياً فأصبحت منهيّاً ، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون » [٢].
قال نصر بن مزاحم : ثمّ تكلّم رؤساء القبائل فكل قال مايراه ويهواه ، فقام كردوس بن هاني البكري يدعوا الناس إلى تسليم الأمر إلى عليّ ، كما قام شقيق بن ثور البكري يدعوا الناس إلى الصلح والموادعة ويقول : وقد أكلتنا هذه الحرب ولا نرى البقاء إلاّ في الموادعة [٣].
هذه الحوادث المؤلمة التي أسفرت عن مؤامرة خبيثة يراد منها ايقاع الفتنة والخلاف في جيش علي عليهالسلام إلى النزول إلى حكم القوم كرهاً بلا اختيار ، واضطراراً لا عن طيب نفس.
فبعث علي قرّاء أهل العراق ، وبعث معاوية قرّاء أهل الشام ، فاجتمعوا بين الصفّين فنظروا فيه وتدراسوه واجمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن ، وأن يميتوا ما أمات القرآن ، ثم رجع كل فريق إلى أصحابه ، وقال الناس : « قد رضينا
[١] نصر بن مزاحم : وقعة صفّين ٥٦٠ ـ ٥٦٤.
[٢] ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٢ / ٢١٩ ـ ٢٢٠. نصر بن مزاحم : وقعة صفّين ٥٥٣.
[٣] نصربن مزاحم : وقعة صفيّن ٥٥٤.