بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٣ - نصيحة للاباضية
وأمّا سائر الاُصول التي يعتقدون بها فهم يلتقون فيها مع بعض الفرق الإسلامية ، مثلا يلتقون في القول بعدم زيادة صفاته على ذاته ، وامتناع رؤية الله سبحانه في الآخرة ، وتنزيهه سبحانه عن وصمة التشبيه بتأويل الصفات الخبرية تأويلا تؤيّده قواعد الأدب والمحاورة وحدوث القرآن ، ففي هذه الاُصول يلتقون مع المعتزلة والشيعة الإمامية ، وفي تفسير الشفاعة بمعنى ترفيع الدرجة ، أو سرعة الدخول إلى الجنّة وخلود أهل المعاصي في النار يلتقون مع المعتزلة ، وفي تفسير القدر وكون أفعال الانسان مخلوقة لله سبحانه فهو خالق والعبد كاسب يلتقون مع الأشاعرة [١].
إذا سلّمنا أنّ هذه الاُصول من عقائدهم وسلّمنا أنّ ما كتبه كتّاب الفرق ورموهم به فرية بلامرية ، نرى أنّ من الواجب أن تقوم الطائفة الاباضية بالاُمور التالية حتى يدعم الوئام ويملأ الفراغ وتصبح الاُمّة يداً واحدة ، وهي :
١ ـ إنّ الإيمان بصحّة كل ما يكتبونه عن منهجهم ويفسّرون به عقائدهم مشكلٌ جدّاً لما وافاك من أنّ لهم في تبيين الدين مسالك أربعة ومن بين تلك المسالك : « الكتمان والسر » فعندئذ انّه من المحتمل أن تكون كل هذه المناشير مستقاة من هذا المبدأ وأنّها دعايات برّرتها التقيّة ، وسوّغتها المصالح الزمنيّة.
فلأجل استقطاب قلوب الناس ، حان حين الشطب على هذه المسالك في تبيين الدين ، خصوصاً انّ القوم يعيشون في عصر الحريّة ، وعندئذ لامبرّر لهم للتقّية لأنّ التقيّة شأن من يخفي عقيدته من مخالفه ، ويخاف من ابداء موقفه من الهجوم والقتل والضرب ، وأنتم بحمدالله أيّها الاباضيّون ملتقون مع الفرق الإسلامية في جميع المسائل إلاّ مسألتين غير هامّتين ، فأجهروا بالحقيقة واشطبوا على هذه المسالك واتّخذوا مسلكاً واحداً.
[١] علي يحيى معمّر : الاباضية بين الفرق الإسلامية ١ / ٢٨٩ ـ ٢٩٧.