بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٢ - عقائد الاباضية واُصولهم الثمانية
وليس كتابه كتاباً دراسياً يطلب فيه طرح المسائل على وجه السؤال والاستفهام.
ثمّ إنّه يكتب : قد كان في الرؤية طرفان متطرّفان ووسط معتدل هوكان اللقاء بين المذهبين ، وذلك إنّ طرف الاثبات يبالغ حتى يصل به التطرّف إلى حدّ التشبيه والتمثيل والتحديد ، وطرف النفي يبالغ حتّى يصل به التطرّف إلى حد نفي حصول كمال العلم ، وبينهما يقف أصحاب التحقيق في الجوانب المتقاربة التي تلتقي في المعنى الواحد لقاءً كاملا أو لقاءً متقارباً ، وهذه الصورة تتمثّل فيما ذهب إليه بعض علماء أهل السنّة من أنّ الرؤية معناها حصول كمال العلم بالله تبارك وتعالى ، وعبَّر عنها آخرون منهم بأنّ الرؤية تقع بحاسّة سادسة هي كمال العلم ، واختلفت تعابير الكثير منهم ولكنّها تتلاقى في النهاية على نفي كامل الصورة التي يتخيّلها الإنسان لصورة راء ومرئىّ وما تستلزمه من حدود وتشبيه ، وتتّفق في النهاية على الابتعاد عمّا يشعر بأيّ تشبيه في أيّ مراتبه ، وبالمحدودية في أيِّ أشكالها ، وليس لنا أن نخوض فيه بغير القدر التي جاءت به النصوص.
والمعتدلون من الاباضية لايمنعون أن يكون معنى الرؤية هو كمال العلم به تعالى ويمنعون الرؤية بالصورة المتخّيلة عند الناس [١].
عزب عن الكاتب انّ محلّ النزاع من القرن الأوّل إلى القرون المتأخّرة ليس إلاّ الرؤية بالأبصار لابحاسّة سادسة سمّاها كمال العلم ، فإنّ القائلين بالرؤية يستندون إلى ما رواه البخاري وأمثاله من أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « إنّكم ترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر غير متضامّين » ، فليس للمحقّق الكلامي إلاّ موافقة هذا الأصل أو طرده من الرأس ، فاللجوء إلى الرؤية بحاسّة سادسة بمعنى كمال العلم تفسير بأمر بائن وخروج عن محطّ البحث.
[١] علي يحيى معمِّر : الاباضية بين الفرق الإسلامية ١ / ٢٩١ ـ ٢٩٢.