بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧٣ - ١ ـ حكم التحكيم في حرب صفّين
بالنبيّ الأكرم في صلح الحديبية حيث رضى أن يكتب اسمه ويمحى لفظ رسول الله ، ولم يسمع لقول الأحنف حيث قال : « لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك فإنّي أتخوّف إن محوتها ألاّ ترجع إليك أبداً لاتمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضاً ، فأبى مليّاً من النهار أن يمحوها » [١] ولكنّه عليهالسلام لم يَرَ بدّاً من القبول ورضى بالمحو تحت ضعظ الأشعث والمنخدعين من جيشه ، والمقنّعين في الحديد.
وبذلك تقف على قيمة قوله : « وإذ خطر لعلي أن يستجيب لدعاة الهزيمة في جيشه ، والماكرين من عدوّه أن يشكّ في نفسه ، والحق الذي بيده ، ويتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون ، ليساوى بينه وبين أحد عمّاله في قضيّة أخذ فيها عهداً من الاُمّة ، وأخذت منه فيها موثقاً وعهداً ورضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم الله ».
إن فرض التحكيم على علي وقبوله ومحو لقبه ، تحت ضغط قسم كبير من جيشه ، لايعني شكّه في نفسه والحق الذي بيده ، والتنازل الاختياري عن الشرف الذي أولاه المسلمون ، بل يعني فسح المجال للتفكّر والتدبر فيما كان يدّعيه معاوية على الإمام من تقدّم أخذ الثأر على البيعة ، حتى يقضيا الحكمان فيه برأي بات ، ولو دلّ محو اللقب على الشك في الإمرة ، فهل يظنّ الكاتب أنّ رسول الله شكّ في رسالته عندما رضى بمحو لقبه عن جنب اسمه؟ نعم توّهم ذلك بعض أصحابه وتصوّر أنّ ذلك يساوي اعطاء الدنية في أمر الدين [٢] ولكن رسول الله استقبل الحادث بصدر رحب ، وقبل الصلح على النحو الذي كان المشركون يطلوبونه ، وقد أثبت مرور الزمان صواب رأيه في الصلح ، وأنّه كان
[١] نصر بن مزاحم : وقعة صفّين : ٥٨٢.
[٢] لاحظ السيرة النبوية لابن هشام ٣ / ٣٣١.