بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥١ - عقائد الاباضية واُصولهم الثمانية
إنّ الرجل الواعي الطالب للحقيقة لا يخاف من لومة لائم ، ولا من مخالفة فئة ، فكان على الاباضية أن يرفعوا علم المخالفة في هذه المسألة ، وفي مسألة الرؤية ، وخلق القرآن ، ويندّدوا بالمخالفين سواء أكانوا من السنّة أو غيرهم ، فالحق أحق أن يتّبع ، كيف يصحّ لموحّد أن يقيس الواجب بالممكن فيصوّر له ذاتاً وصفة قائمة بها ، ويحكم بالتعدّد ويخرج في النتيجة بالقدماء الثمانية ثمّ يدّعي التوحيد ويخطّىء النصارى القائلين بالتثليث.
ثمّ إنّ من يرى أنّ مرجع عينية الصفات إلى نفي حقائقها عن ذاته ، (كما عليه الزنادقة) رأي باطل صدر ممّن لاقدم له في المباحث العقلية ، وليس له مصدر إلاّ قياس الممكن بالواجب ، فإذا رأى أنّ القول بالعينيّة ينتج نفيها في الممكنات ، عاد يخطّىء القائل بالعينيّة في الواجب بأن معناها نفي حقائقها عن ذاته سبحانه.
٢ ـ امتناع رؤية الله سبحانه في الآخرة :إنّ امتناع رؤية الله سبحانه من الاُصول التي استقاها الوعاة من المسلمين من القرآن الكريم وخطب سيّد الموحّدين أميرالمؤمنين عليهالسلام إذ قال عزّ من قائل : ( لا تُدْرِكَهُ الأَبْصارُ وهوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ وهوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ) [١].
وهذا الأصل أيضاً من الاُصول اللامعة في عقائد الاباضية ، والأسف انّ الكُتّاب المتأخّرين منهم يُقلِّلون من أهمية هذا الأصل ، توخّياً لتقريب عقائدهم من أهل السنّة. حتى أنّ علي يحيى معمَّر يُعَنْوِنُ المسألةَ بقوله : هل رؤية الباري جلّ وعلا في الآخرة ممكنة؟ والعنوان يحكي عن وجود ترّدد وشك في نفس الكاتب ، ولا أقل يطرح المسألة على شكل غير قطعي وعلى خوف ووجل ،
[١] الأنعام : ١٠٣.