بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٢ - عقائد الاباضية واُصولهم الثمانية
في الدنيا والآخرة
حتى اشتهروا بهذا الاسم وعرفوا به ، قال الله تعالى :
( المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ
بَعْض يَأْمُرُونَ بالمُنْكَرِ وينْهَوْنْ عَنِ المَعْرُوفِ ويقْبِضُونَ
أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ ) [١]
حتى صارت هذه الكلمة تشبه أن تكون علماً لهم فإذا اطلقت انصرفت إليهم.
والنقاش في هذا الموضوع نقاش لغويّ والاختلافات لفظي ، والنتيجة انّ من يصرّ على معصية الله يلاقي نفس الجزاء الذي يلاقيه من يكفر بالله ، أمّا معاملة المسلمين لمن يفسق عن أمر الله ، أو ينافق في دين الله ، أو يكفر بنعمة الله ، فإنّها معاملة للعاصي المنتهك الذي تجب محاولة ارشاده إلى وجوب الاستمساك بدينه ورجوعه إلى أوامر ربّه ، واقلاعه عن محادة الله ورسوله ، فإن أصرّ واستكبر وتغلّب عليه الشيطان ، بُرِئ منه [٢].
يلاحظ عليه : أوّلا : انّ المحكّمة الاُولى كانوا لايريدون من الكفر إلاّ الخروج عن الدين ، وكانوا يقولون للإمام أميرالمؤمنين : تب من كفرك ، وكان يجيبهم : أبعد ايماني بالله ، وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين [٣].
فلمّا أحسّ عبدالله بن اباض أو من قبله بتطرّف هذه الفكرة عاد بتأويله إلى كفر النعمة تحرّزاً عن ردّ فعل للنظرية الاُولى.
ثانياً : لو فرضنا إنّ القرآن الكريم استعمل الكفر في كفر النعمة أو استعمله الحديث في حق تارك الصلاة ، ولكن هذا الاستعمال طفيف جدّاً ، فقد ورد لفظ الكفر ومشتقّاته في القرآن قريباً من ٤٥٠ مرّة واُريد في أغلبها كفر الملّة
[١] التوبة : ٦٧.
[٢] علي يحيى معمّر : الاباضية في موكب التاريخ ، الحقلة الاُولى ٨٩ ـ ٩٢.
[٣] الرضي : نهج البلاغة ، الخطبة ٥٨.