الشفاعة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥
في صحة الآخر كالتفكيك بين المتلازمين . نعم ، هناك سؤالٌ يطرح نفسَه وهو أنّه إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيّاً يُرزَق في هذه الدنيا ويسمع كلام السائل ، فلا فرق بين طلب الدعاء وطلب الشفاعة . وأمّا بعد رحيله وانتقاله إلى رحمة الله الواسعة ، فلا يسمع كلامَ السائل ، بأيّ صفة خاطبَه وكلَّمه سواء أقال: استغفر لي ، أم قال: اشفع لي . والإجابة واضحة ، لأنّ الكلام مركَّزٌ في تبيين معنى طلب الشفاعة منه حيّاً وميّتاً وأنّ حقيقته أمرٌ واحدٌ بجميع صوره ، وأمّا أنّه يسمع أو لا يسمع ، أو أنّ الدعوة تنفع أو لا تنفع ، فهو أمرٌ نرجع إليه بعد الفراغ من صميم البحث . ولإيضاح الأمر نورد بعض النصوص من المفسّرين في تفسير الشفاعة: قال الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)[١] إنّ الآية تدلّ على حصول الشفاعة للمذنبين ، والاستغفار طلب المغفرة ، والمغفرة لا تُذْكر إلاّ في إسقاط العقاب ، أمّا طلب النفع الزائد فإنّه لا يسمّى استغفاراً . وقوله تعالى: ( ويستغفرون للّذين آمنوا) يدلّ على أنّهم يستغفرون لكل أهل الإيمان ، فإذا دللنا على أنّ صاحب الكبيرة مؤمن ، وجب دخوله تحت هذه الشفاعة[٢] .
[١] غافر : ٧ .
[٢] مفاتيح الغيب ٧: ٢٨٥ ـ ٢٨٦ ، طـ . مصر ، الجزء ٢٧: ٣٤ طـ دار إحياء التراث الإسلامي ، بيروت .