الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٨٣ - الآية الرابعة
فإذا كانت أعمالهم الإجرامية من مصاديق التراحم فكيف يكون تباغضهم ومشاجراتهم؟!
وهل كان في وجوه الأعراب والطلقاء وأبنائهم والذين آمنوا بعد الفتح أثر للسجود؟!
الثانية : انّ ذيل الآية يشهد بأنّ الثناء على قسم منهم ، يقول تعالى : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) فانّ لفظة «من» في قوله : «منهم» للتبعيض ، وما يقال من أنّ «من» بيانية غير صحيح ، لأنّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلامهم وإنّما تدخل على الاسم الظاهر ، كما في قولك : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) [١]. [٢]
الثالثة : انّ الآية نزلت قبل فتح مكة وبعد الحديبية ، والمراد من قوله سبحانه في هذه الآية : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) هو الفتح في صلح الحديبية ، وفيه إخبار عن فتح مكة في المستقبل بقوله : (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً). [٣]
فالآية تتضمن الإخبار عن فتحين آخرين :
١. عمرة القضاء وأشار إليه بقوله : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ).
[١] الحج : ٣٠.
[٢] وربما يستشهد على دخول من البيانية على الضمير بقوله تعالى : (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ). والاستدلال مبني على عود الضمير في تزيلوا إلى المؤمنين ، والضمير في «منهم» إلى الذين كفروا ، ولكنّه غير صحيح ، بل الضميران جميعاً يرجعان إلى مجموع المؤمنين والكافرين من أهل مكة فتكون «من» تبعيضية لا بيانية.
[٣] الفتح : ٢٧.