الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠١ - ٣ الأمر بين الأمرين في الروايات ١٠
٢. الأمر بين الأمرين في الكتاب العزيز
إذا كان معنى الأمر بين الأمرين هو وجود النسبتين في فعل العبد : نسبة إلى الله سبحانه ونسبة إلى العبد من دون أن تزاحم إحدى النسبتين ، النسبةَ الأُخرى ، فقد قرره الكتاب العزيز ببيانات مختلفة :
١. انّه ربما ينسب الفعل إلى العبد وفي الوقت نفسه يسلبه عنه وينسبه إلى الله سبحانه ، يقول : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). [١]
ولا يصحّ هذا الإيجاب (إِذْ رَمَيْتَ) في عين السلب (وَما رَمَيْتَ) إلاّ على الوجه الذي ذكرنا ، وهذا يعرب عن أنّ للفعل نسبتين وليست نسبتُه إلى العبد ، كلَّ حقيقته وواقعه ، وإلاّ لم تصح نسبته إلى الله ، كما أنّ نسبته إلى الله ليست خالصة (وإن كان قائماً به تماماً) بل لوجود العبد وإرادته تأثير في طروء عناوين عليه.
٢. قال سبحانه : (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ). [٢]
فالظاهر انّ المراد من التعذيب هو القتل ، لأنّ التعذيب الصادر من الله تعالى بأيدي المؤمنين ليس إلاّ ذاك ، لا العذاب البرزخي ولا الأُخروي فانّهما راجعان إلى الله سبحانه دون المؤمنين ، وعلى ذلك فقد نسب فعل واحد (التعذيب) إلى المؤمنين وخالقهم ولا تصح هاتان النسبتان إلاّ على هذا المنهج ، وإلاّ ففي منهج الجبر لا تصح النسبة إلاّ إليه سبحانه. وفي منهج التفويض على العكس ،
[١] الأنفال : ١٧.
[٢] التوبة : ١٤.