الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٩ - ٢ تطور العلم في ظل القول بنظام العلل والمعاليل
الأمر الثاني
تنمية العلم في ظلّ القول بنظام الأسباب والمسبّبات
قد أوضحنا في محاضراتنا في «الإلهيات» انّ القول بأنّ المادة لم تزل أزلية ، ولو صارت ذات سنن وقوانين فإنّما هي وليدة الصدفة ، لا يدفع بالإنسان إلى التحقيق وسبر أغوار الطبيعة ، وذلك إذ لا علم له بوجود سنن وأنظمة في داخل العالم حتّى يبحث عنه الإنسان ، فلا محيص للباحث في سنن العالم والمستطلع للحقائق السائدة فيه ـ قبل الفحص عن السنن ـ عن اعتناق نظرية الخلقة وهي انّ العالَم مصنوع علم وقدرة واسعة ، أخرجه من العدم إلى الوجود وأجرى فيه سنناً وأنظمة.
والحاصل : انّ الذي يبعث الإنسان إلى الفحص عن النظم والسنن هو نظرية الإلهيّين وهو انّ العالم مخلوق موجود واجب عالم قد مر ، وأمّا النظرية الأُخرى أي عدم تدخّل علم وقدرة في النظم والسنن فيعرقل خُطى الباحث عن الغور في العالم.
هذا هو الذي أوضحنا حاله في «الإلهيات».
فنقول : إنّ إنكار العلل والمعاليل والأسباب والمسبّبات والاعتقاد بعلّة واحدة مكان العلل نظير القول بأنّ النظام مخلوق صدفة ، وذلك لأنّ الذي يبعث الباحث عن الوجود وأسراره هو اعتقاده بأنّ كلّ ذرة في ذات هذا العالم مشتملة