الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٦ - تمثيل رائع لصدر المتألهين في بيان كيفية النسبة
وأفضل جملة تعبر عن هذه العلقة الوثيقة قوله سبحانه : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) [١] وقوله سبحانه : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) [٢] ومفاد هاتين الآيتين هو كونه سبحانه مع كلّ موجود إمكاني من دون فرق بين الإنسان وفعله.
وليس المراد من المعية هو حلوله سبحانه في ذوات الأشياء وآثارها ، بل المراد هو المعية القيومية.
وقد ذكر صدر المتألّهين تمثيلاً في المقام ، وإليك بيانه :
إذا أردت التمثيل لتبيين كون الفعل الواحد فعلاً لشخصين على الحقيقة ، فلاحظ النفس الإنسانية ، وقواها ، فالله سبحانه خلقها مثالاً ، ذاتاً وصفة وفعلاً ، لذاته وصفاته وأفعاله ، قال سبحانه : (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ). [٣] وقد أُثر عن النبي والوصي القول بأنّه «من عرف نفسه ، عرف ربّه». [٤]
إنّ فعل كلّ حاسّة وقوة من حيث هو فعل تلك القوة ، فعل النفس أيضاً ، فالباصرة ليس لها شأن إلاّ إحضار الصورة المبصرة ، أو انفعال البصر منها ، وكذلك السامعة ، فشأنها إحضار الهيئة المسموعة أو انفعالها بها ، ومع ذلك فكلّ من الفعلين ، كما هو فعل القوة ، فعل النفس أيضاً ، لأنّها السميعة البصيرة في
[١] الحديد : ٤.
[٢] المجادلة : ٧.
[٣] الذاريات : ٢٠ ـ ٢١.
[٤] غرر الحكم : ٢٦٨ ، طبعة النجف. وروي عن أمير المؤمنين ـ عليهالسلام ـ قوله : «أعلمكم بنفسه أعلمكم بربه» أمالي المرتضى : ٢ / ٣٢٩.