الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٤ - حديث الفراغ من الأمر، بدعة يهودية
حديث «الفراغ من الأمر» بدعة يهوديّة
يجد الباحث في ثنايا الأحاديث وكلمات المحدّثين قولهم : «إنّ الله سبحانه قد فرغ من الأمر» ، أي قد فرغ سبحانه من أمر التدبير والتكوين فلا يتغيّر ما قُدّر ، ولا يتبدّل ما قضى به ، وهو بظاهره نفس الجبر ، إذ معناه انّه لا محيص للإنسان إلاّ العمل بما قُدّر وقضى ولا يتمكّن من تغييره وتبديله ، وبالتالي لا خيرة للإنسان في حياته فيما يختار أو يترك مع أنّه سبحانه يحكم على خلافه ويقول : (وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ * يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ). [١]
وهل يمحو إلاّ ما أثبتَ؟! فلو كان قد فرغ من الأمر فما معنى محو ما أثبته وقدّره؟ كيف والله سبحانه مبسوط اليد لا يكبّله تقديره وقضاؤه ، فله السيادة على القضاء والقدر دونهما عليه؟!
وهذا هو الثعلبي ينقل عن مجاهد قال : قالت قريش : «حينما أنزل (ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ) ما لنا نراك يا محمد تملك من شيء وقد فرغ من أمره ، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعداً لهم ، أي أن يشأ أحدثها من أمر ـ إلى أن قال : ـ ويُحدث في كلّ رمضان في ليلة القدر ويمحو ويُثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومسائلهم وما يؤتيهم ويُنسأهم له. [٢]
وقد تطرق عن طريق تلامذة الاحبار والرهبان انّه سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت إلاّ الحياة والموت والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيران ، ونقله السيوطي عن
[١] الرعد : ٣٨ ـ ٣٩.
[٢]تفسير الثعلبي ، المسمّى بالكشف والبيان : ٥ / ٢٩٨ ؛ الدر المنثور : ٤ / ٦٥٩ واللفظ للثاني.