الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧٤ - ١ تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة
(وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ). [١]
فالله سبحانه كما هو المقدِّر للمصير الأوّل ، هو المقدّر أيضاً للمصير الثاني ، فهو في كلّ يوم في شأن ، وانّه جلّ وعلى يبدئ ويعيد ، ويحيي ويميت ، يزيد في الرزق والعمر ويُنقص ، كلّ ذلك حسب مشيئته الحكمية والمصالح الكامنة. فكما هو عالم بالتقدير الأوّل ، عالم ـ في نفس ذلك الوقت ـ بأنّه سوف يزول ويخلفه تقدير آخر ، لكن لا بمعنى وجود الفوضى في التقدير ، بل بتبعية كلّ تقدير لملاكه وسببه.
إذا كان في هذه الآيات إلماع إلى إخلاف تقدير مكان تقدير ، ففي الآيات التالية تصريحات بأنّ الإنسان هو الذي يستطيع أن يغيّر مصيره بصالح أعماله وطالحها ، وأنّ التقدير الأوّل الذي نجم عن سبب في حياة العبد ليس تقديراً قطعياً لا يغيّر ، بل هو تقدير معلّق سيتغيّر إذا تغيّر سببه.
يقول سبحانه : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) [٢] وليست هذه الآية ، آية فريدة ، بل هناك آيات كثيرة تُبيّن بأنّ للإنسان مقدرة واسعة على إخلاف تقدير مكان تقدير وقضاء مكان قضاء ، كلّ ذلك بمشيئته سبحانه وإرادته حيث زوّد العبدَ بحرية ومشيئة على أن يُخلف تقديراً مكان تقدير آخر ، وها نحن نقتصر على نزر قليل منها حتّى يتّضح الحال.
١. (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَ
[١] فاطر : ١١.
[٢] الأعراف : ٩٦.