الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٠٤ - لزوم فتح باب الاجتهاد
وقد اقتدى الشيعة في فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الأُمّة بأئمّة دينهم وخلفاء رسولهم الذين حثُّوا شيعتهم بأقوالهم وأفعالهم على التفقّه في الدين والاجتهاد فيه ، وانّه «مَن لم يتفقه فهو اعرابي» ، وأرشدوهم إلى كيفية استخراج الفروع المتشابكة من الآيات والقواعد المتلقاة عنهم ، بالتدبّر فيهما ، وأمروا أصحابهم بالتفريع ، وقد بلغت عنايتهم بذلك إلى حد دفعهم إلى تنصيب بعض من يعبأ بقوله ورأيه ، لمنصب الإفتاء ، إلى غير ذلك.
غير انّ أهل السنّة قد أقفلوا باب الاجتهاد إلاّ الاجتهاد في مذهب خاص ، وبما انّ الفتاوى المنقولة عن الأئمّة مختلفة ، أخذ علماء كلّ مذهب يبذلون جهدهم لتشخيص ما هو رأي كلّ إمام في هذا الباب.
ولا أدري لما ذا أقفل هذا الباب المفتوح من زمن الرسول ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ ، وإن تفلسف في بيان وجهه بعض الكتّاب من متأخّريهم ، وقال : ولم يكن مجرّد إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم ، وإنّما كان حالة نفسية واجتماعية ، ذلك انّهم رأوا غزو التتر لبغداد وعسفهم بالمسلمين ، فخافوا على الإسلام ، ورأوا انّ أقصى ما يصبون إليه هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمة ممّا وضعوه واستنبطوه. [١]
ولا يخفى ما في اعتذاره من الإشكال ، وسوف يوافيك بيان الأسباب الّتي أدّت إلى الاغلاق.
وأمّا زمان إقفاله فيظهر من المقريزي في خططه انّه أقفل عام ٦٦٥ ه ، قال :
إنّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة ١٧٠ إلى ان صار قاضي القضاة ، فكان لا يولّي القضاء إلاّ من أراده ، ولمّا كان هو من
[١] رسالة الإسلام : العدد الثالث من السنة الثالثة عن مقال أحمد أمين المصري.