الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦٩ - دراسة حديث معاذ بن جبل سنداً ودلالة
رسول الله ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ عن ذلك.
فقدمتُ ، فأخبرت النبيّ ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فأمرني أن آخذ من كلّ ثلاثين تبيعاً ، ومن كلّ أربعين مُسِنَّةً. [١]
فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون والاعتبارات؟!
ثمّ إنّ هناك نقطة جديرة بالذكر ، وهي أنّ القضاء منصب خطير لا يشغله إلاّ العارف بالكتاب والسنّة والخبير في فضّ الخصومات ، فالنبيّ الذي نصبه للقضاء لا بدّ أن يعلِّمه الكتاب والسنّة أوّلاً وأن يكون واقفاً على مدى إحاطته بهما ، ثم يبعثه إلى القضاء وفصل الخصومات مع المعرفة التامّة لحال القاضي.
وعلى هذا (أي لزوم المعرفة بكفاءة المبعوث قبل البعث) يكون السؤال بقوله : «فكيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال : أقضي بما في كتاب الله» أمراً لغواً ، وهذا يعرب عن أنّ الحديث لم ينقل على الوجه الصحيح ، وستوافيك الصور الأُخرى للرواية.
قال الرازي : إنّ الحديث يقتضي أنّه سأله عمّا به يقضي بعد أن نصبه للقضاء ، وذلك لا يجوز لأنّ جواز نصبه للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء ، وهذه الصلاحية إنّما تثبت لو ثبت كونه عالماً بالشيء الذي يجب أن يقضي به والشيء الذي لا يجب أن يقضي به. [٢]
ثمّ إنّ المتمسّكين بالحديث لمّا رأوا ضعف الحديث سنداً ودلالة ، حاولوا تصحيح التمسّك بقولهم بأنّ خبر معاذ خبر مشهور ولو كان مرسلاً ، لكنّ الأُمّة تلقّته بالقبول. [٣]
[١]مسند أحمد بن حنبل : ٥ / ٢٤٠ ؛ المسند الجامع : ١٥ / ٢٣٠ برقم (١١٥١٨ ـ ٤١).
[٢]المحصول : ٢ / ٢٥٥.
[٣]الحاصل من المحصول : ٢ / ١٦٣.